إسحاق موسى الحسيني، كاتب وباحث ومفكر وأديب عربي فلسطيني كان له دوره في الساحة الثقافية العربية المعاصرة وذلك من خلال مؤلفاته ودراساته ونشاطاته التربوية والتعليمية. فضلا عن إسهاماته في عضوية مؤسسات علمية وبحثية عديدة منتشرة في طول الوطن العربي الكبير وعرضه.
ونستطيع القول، وبكل ثقة، إن الرجل كان موسوعة ثقافية قائمة بذاتها، وطوال 50 عاما، قدم الأستاذ الدكتور إسحاق موسى الحسيني صورة ناصعة للمثقف العربي المتسلح بثقافة التراث والمنفتح على الثقافة الغربية المعاصرة، لذلك تحلَّت آراؤه بخصوص تجديد اللغة العربية وتطوير قواعد نحوها وابتكار السبل الكفيلة بتسيير تدريس مادة الأدب العربي بروح عصرية.
وفوق هذا وذاك كان الحسيني كاتب قصة معروفا، فضلا عن كونه كاتب مقالة متنور، وباختصار فإن الحسيني في حقبة من الزمن، ملأ الدنيا وشغل الناس.
ولم يقتصر إنتاجه على الجانب الأدبي، بل اتسع ليشمل الجانبين الديني الإسلامي والأدبي ـ اللغوي حتى أنه لم يترك قضية أدبية أو فكرية أو ثقافية برزت في عصره إلا وتناولها. ولم يبخل أبدا بتقديم الجهد والتشجيع والتوجيه لتلاميذه وزملائه.
وبهدف إلقاء الضوء على دوره في تنمية حركة الفكر العربي المعاصر لا بد من الوقوف قليلا عند سيرته الذاتية والعلمية.
ولد الأستاذ الدكتور اسحق موسى الحسيني في مدينة القدس سنة 1904 وثمة من يقول إنه ولد سنة 1908 وانتقل إلى رحاب الآخرة في الاثنين السابع عشر من ديسمبر / كانون الأول سنة 1990. وبذلك يكون قد عاش قرابة (86) سنة.
وكان والده موسى بن صالح بن عمر الحسيني الكبير نقيبا لأشراف القدس، وبدأ حياته الدراسية في الكتاتيب، ثم انتقل إلى المدارس الرسـمية (الحكومية)، وأنهى دراسته الثانوية فيما كانت تسمى آنذاك المدرسة الرشيدية، وفيها تتلمذ في علوم اللغة العربية وآدابها على يد الأستاذ الراحل محمد إسعاف النشاشيبي.
وفي سنة 1923 التحق بالجامعة الأميركية في القاهرة وحصل فيها على شهادة الدبلوم في الصحافة سنة 1926 وبدأ العمل، إثر تخرجه، معلما في المدرسة الرشيدية نفسها. لكنه لم يمكث في وظيفة التعليم طويلا إذ سرعان ما التحق بالجامعة المصرية (جامعة القاهرة فيما بعد) وحصل على ليسانس الآداب منها سنة 1930.
يقول الدكتور تيسير الناشف في كتابه الموسوم "مفكرون فلسطينيون في القرن العشرين" ـ الذي نشره مركز الدراسات الفلسطينية بجامعة بغداد سنة 1981 ـ "إن الدكتور طه حسين كان من أبرز أساتذة الحسيني في هذه المرحلة. ولم يقنع الحسيني بما حصله من علوم وآداب، إذ قرر السفر إلى إنكلترا والالتحاق بمعهد الدراسات الشرقية التابع لجامعة لندن ليدرس الآداب واللغات السامية على يد أستاذه المستشرق الإنكليزي المشهور هاملتون كب. وتخـرج في هذا المعهد سنة 1932 كما حصل على دبـلوم فـي الفلسـفة سنة 1934."
وبعد عودته إلى موطنه فلسطين، عين مدرسا للغة العربية والأدب العربي في الكلية العربية.
وفي مطلع سنة 1946 تألفت في فلسطين (لجنة الثقافة العربية للتأليف والترجمة والنشر) واختير الحسيني سكرتيرا (أمينا عاما) لها وكان يشغل آنذاك منصب المفتش الأول للغة العربية في ما كان يسمى آنذاك (إدارة المعارف العامة في فلسطين)، واستمر في هذا العمل حتى سنة 1948.
وانتدبته هذه الإدارة ليمثلها في المؤتمر الثقافي العربي الذي عقد في مصيف بيت مري بلبنان أوائل سبتمبر/أيلول سنة 1947. وقبيل حرب فلسطين في سنة 1948، غادر الحسيني بلاده فلسطين إلى لبنان وأقام في بيروت، حيث عين في هذه السنة أستاذا للغة العربية والأدب العربي في جامعتها الأميركية.
وفي سنة 1952 سافر إلى كندا بناء على دعوة تلقاها من جامعة من جامعة ما كجيل في مونتريال، لتدريس مادة الأدب العربي وفي أواخر سنة 1955 عاد إلى القاهرة بناء على دعوة تلقاها من الأستاذ والمربي الكبير ساطع الحصري عميد معهد الدراسات العربية العالمية التابع لجامعة الدول العربية للتدريس في المعهد. وكلف آنذاك من مجلس العلوم والفنون والآداب المصري لتأليف كتاب عن الأدب العربي المعاصر. وفي المعهد أشرف على الكثير من رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه فضلا عن عمله الآخر رئيسا لقسم اللغة العربية وآدابها في الجامعة الأميركية، وبقي كذلك إلى أن أحال نفسه على التقاعد في سنة 1967.
كان الحسيني عضوا في العديد من المجامع والمؤسسات العلمية العربية، فمنذ سنة 1960 اختاره المجمع العلمي العراقي عضوا فيه، وبعد سنة من ذلك أصبح عضوا في مجمع اللغة العربية في القاهرة، ثم عين عضوا في مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف سنة 1962، وفوق ذلك اختاره المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في الأردن عضوا فيه.
وعين سنة 1982 عضوا في مجلس أمناء كلية العلوم والتكنولوجيا التابعة لجامعة القدس، وفي الوقت ذاته كان عميدا لكلية الآداب للبنات في الجامعة ذاتها. وحصل على أوسمة وتكريمات كثيرة لعل من أبرزها حصوله على وسام العلوم والفنون من مصر سنة 1963 ولقب بـ عميد الأدب الفلسطيني سنة 1986.
وفي 20 أغسطس/آب سنة 1978 أرسل إليه الدكتور تيسير الناشف رسالة يخبره فيها عزمه تأليف كتاب عن عدد من المفكرين الفلسطينيين. وأجاب الحسيني على الرسالة بكتاب مؤرخ في 12 سبتمبر/أيلول 1978 جاء فيه أنه فقد مكتبته إبان العدوان الإسرائيلي على فلسطين سنة 1948 وليس من السهولة عليه تقديم كشف بنشاطاته العلمية، لكنه استدرك وقال إنه اعتمادا على الذاكرة يستطيع القول إن جوانب نشاطه تبلورت في أربعة اتجاهات أولاها الجانب الديني وأبرز ما قدمه في هذا الجانب كتابيه "الأخوان المسلمون" و"المسلمون بين الماضي والحاضر".
أما الجانب الثاني فهو الجانب العلمي، وينحصر في تأليفه وإصداره عددا من الكتب أبرزها كتابيه" "ابن قتيبة حياته وآثاره بالإنكليزية"، و"أزمة الفكر العربي"، فضلا عن أبحاثه ودراساته المقدمة إلى مجمع اللغة العربية في القاهرة.
أما الجانب الأدبي فقدم فيه الدكتور الحسيني عددا من الكتب أبرزها كتبه "المدخل إلى تاريخ الأدب المعاصر"، و"النقد الأدبي المعاصر" و"هل الأدباء بشر؟" و"مذكرات دجاجة".
ويبقى الجانب الأخير، وهو الجانب السياسي، وفيه ألَّف الدكتور الحسيني عددا من الكتب التي تناولت التأكيد على عروبة بيت المقدس، فضلا عن مجاميع من الدراسات التي تركزت حول القضية الفلسطينية.
من مؤلفات الأستاذ الدكتور الحسيني المنشورة أطروحته للدكتوراه التي قدمها سنة 1934 إلى معهد الدراسات الشرقية التابع لجامعة لندن وكانت بعنوان "ابن قتيبة: حياته وآثاره"، وأشرف عليها كما سبق أن قدمنا المستشرق الإنكليزي هاملتون كب صاحب كتابي "المحمدية" و"المجتمع الإسلامي والغرب"، ويعد من أبرز المستشرقين وأكثرهم رصانة علمية وحيادية وموضوعية.
وللحسيني كتاب بعنوان "رأي في تدريس اللغة العربية" نشره في القدس سنة 1937، وكذلك كتاب "علماء المشرقيات في إنكلترا"، ونشره في القدس سنة 1940. وكتاب "مذكرات دجاجة"، وهو يحمل فكرة فلسفية في قالب قصصي وطبع في القاهرة سنة 1943، وكتاب "فن إنشاء الشعر العربي" بالفرنسية ونشره سنة 1945، وكتاب "عودة السفينة" وهو معالجة لقضايا اجتماعية وفكرية ونشر في القدس سنة 1945. وسلسلة تربوية بعنوان سلسلة الطرائف للأطفال بأربعة أجزاء، ونشرت في القدس سنة 1947، وكتاب مترجم عن الإنكليزية بعنوان "الإسلام في نظر الغرب"، ونشر في بيروت سنة 1953 وكتاب "أزمة الفكر العربي" ونشره في بيروت سنة 1954 وكتاب "أبحاث في ماضي المسلمين وحاضرهم"، ونشر سنة 1966.
ليس من السهولة في مثل هذا الحيز المقتضب حصر مؤلفات الدكتور الحسيني، فثمة دراسات أخرى له منها أن دائرة المعارف البريطانية نشرت في عدد يناير/كانون الثاني سنة 1948 نتاجا للحسيني عن "التأليف في البلاد العربية"، خلال سنة 1947 كما ظهر له مقال بعنوان "أظهر في فلسطين أدب وأدباء" في مجلة الثقافة. كما أن له كتابا ألفه بالاشتراك مع فايز الغول بعنوان "العروض السهل" وطبع في القدس سنة 1945. كما اشترك مع الأب اسطيفان سالم في ترجمة كتاب عن اللغة الفرنسية بعنوان "فن إنشاء الشعر الغربي" طبع في القدس سنة 1945.
واشترك مع عيسى عطا الله في تأليف كتاب مدرسي بعنوان "الأساس في قواعد اللغة العربية" وطبعته دار المعارف بمصر سنة 1948 وفيه، كما يقول الدكتور الناشف، ينحو المؤلفان منحى جديدا في تقويم القواعد وربط أبوابها وتيسير صعابها ويقولان بأنه ليست كل القواعد ضرورية ومن المفيد تجريد اللغة العربية من القواعد الزائدة. وتوسع في هذا وألَّف كتابا بعنوان "أساليب تدريس اللغة العربية" طبعته دار الكتب في بيروت سنة 1955.
ويقينا أن للحسيني مؤلفات مخطوطة تضمها مكتبته ومخلفاته في القدس المحتلة لعل من أبرزها مخطوطـة عن أدباء فلسـطين.
ويعتقد الدكتور الحسيني أن الفكر العربي المعاصر يعاني من أزمة خانقة، والذين يجولون بأبصارهم في المجتمع العربي، ويتحسسون ما يجري فيه يرون مظاهر هذه الأزمة بوضوح، لكنه يعود فيقول إن ذلك ليس مدعاة لليأس والتشاؤم، فالأزمات الفكرية ظواهر طبيعية في حياة الأمم والمجتمع العربي، شأنه كشأن سائر المجتمعات، يمر الآن في دور انتقال من حياة قديمة إلى حياة حديثة تحاول أن تنسجم مع حيوات سائر الأمم القريبة والبعيدة.
ويعد الحسيني الأحداث التي واجهتها الأمة العربية بعد الحرب الأولى وكانت لها آثارها في جميع مرافق الحياة وأبرزها تحرر البلاد العربية وازدياد الإقبال على العلم، وانتشار الصحف ووسائل الإعلام المختلفة، وظهور مذاهب وآراء جديدة بعد الحربين العالميتين، واصطدام هذه المذاهب والآراء بالمذاهب والآراء القديمة وما نجم عن ذلك من متغيرات فكرية وثقافية أثرت في حياة الناس ودفعتهم لأن يكون لهم دور حقيقي في بناء مجتمعاتهم المتحضرة.
وفي رأيه أن كل تلك التحولات أثارت مشكلات جمة أمام المجتمع العربي مما استدعى إيجاد حلول لذلك، واستدعاء الحلول، كما يعتقد، يولد أزمة وإذا ما عالج المفكرون هذه الأزمة بأناة وتجرد وجرأة انفرج الحل عن خير عميم لهم ولمجتمعاتهم.
ويضيف الحسيني إلى ذلك قوله إنه ليس في الحياة حل أبدي لأن الحل ينصب على نوع من المشكلات والحياة النامية المتطورة تولد المشكلات الواحدة تلو الأخرى والعقول المدبرة المفكرة لابد أن تعتمل لتبدع حلا بعد حل، وهكذا يرافق الحل المشكلة ويسير الاثنان في خطين متوازين.
إن هذا هو تاريخ الحضارة البشرية منذ بدايتها وحتى عصرنا الراهن. وقد يكون من المناسب الإشارة هنا إلى أن الحسيني وضع يده منذ زمن مبكر على حقيقة المستشرق برنارد لويس وكتاباته التي يطعن فيها أصالة الفكر العربي ويقلل من دور العرب في التاريخ. ففي أوائل الخمسينيات من القرن الماضي ألف برنارد لويس كتابه "العرب في التاريخ"، وادَّعى فيه بأنه لا وجود لأمة عربية.
ويرد الحسيني على ذلك ويثبت خطأ حجج لويس هذه، ويقرر أن لأزمة الفكر خمسة مظاهر، فالمظهر الأول هو الحيرة، فالعرب حائرون لا يدرون أين يتجهون، والمظهر الثاني هو الارتجال والحائر لا يمكن إلا أن يكون مرتجلا. والمشاكل عند العرب تدنو دنوا كبيرا يحول دون رؤيتها رؤية واضحة، وحين يفاجأ العرب بها يرتجلون حلولا فيصيبون مرة ويخطئون مرات، والمظـهر الثالـث للأزمة الفكرية هو السير وراء ما اسماه بـ (الشعورية وفقدان العقلانية) أي التفكير الصحيح القائم على المنطق والدرس والتأمل.
ويشير الحسيني إلى أن المفكرين العرب لم يشتركوا في بناء الحاضر العربي اشتراكا فعليا، ولم يفسح لهم مجال العمل.
والمظهر الرابع فقدان الجرأة وغياب الحرية الفكرية وعدم نقد الذات، ويرى الحسيني أنه لم يتكامل عند العرب الإحساس بالمسؤولية الجماعية حتى ينشأ عنه قول الحق، وصاحب الفكر عند العرب موضع شبهة وإذا خرج عن المألوف اتهم بالمروق وهكذا يظل الفكر الحر حبيسا في الصدور.
ويقف الحسيني عند المظهر الخامس للأزمة الفكرية، وهو تركيز البصر في القديم بدلا من النظر إلى المستقبل واحترام سنن القدامى إلى حد التقديس، فالعرب يرددون باستمرار عبارة مفادها أنه لا يصلح هذا الزمن إلا بما صلح به أوله، ومعنى هذه العبارة لا يعني الركون عند الماضي ورفض نزعة التقدم وترك خيرات الأرض في باطنها وعدم الإقدام على عمرانها، بل لا بد من تحقيق مقاصد وجود الإنسان على هذه الأرض والتي تتلخص بالعبادة والخلافة والعمران.
وينتقل الحسيني بعد ذلك إلى ذكر الذريعة التي لا يفتأ يرددها العرب من أنهم مروا في تاريخهم بمراحل من القوة والسيادة وتألق الفكر والسيادة والعناية بالعلم والتجريب وخدمة الحضارة الإنسانية، وأنهم تركوا تراثا علميا وإنسانيا يحق لهم أن يباهوا به الأمم، غير أنه لا يلبث أن يستدرك على ذلك بقوله: ولكن تلك المراحل قد مضت ولغرض استعادتها لا بد من توافر شرطين: الأول البحث عن عوامل النهوض. والثاني العزم والتصميم علة وصل القديم بالحديث.
ولا ينسى الحسيني الإشارة إلى أنظمة الحكم العربية وتخلفها عن مواكبة عصر التقدم، ويدعو إلى وضع أسس علمية قويمة للتقدم المادي من خلال التصنيع وإصلاح الريف واستثمار الثروات الطبيعية والإقبال على العلوم الحديثة فلا تردد ولا إحجام مع ضرورة التركيز على نشر أساليب التفكير العلمي والتفاعل مع الحياة ونبذ النزعات العشائرية والطائفية والأخذ بالنظم الدستورية التي تساوي بين جميع المواطنين مساواة كافة في الحقوق والواجبات مع مراعاة حقوق المرأة وضمان مشاركتها في صنع المجتمع الجديد خاصة وان الإسلام، كدين وكعقيدة وشريعة، قد أكرمها وأعزها.
وأخيرا فإن الحسيني يدعو العرب لأن يكونوا بمستوى التحدي الذي يواجهونه سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.
يرحم الله الحسيني، فقد كان مخلصا لوطنه وأمته، وجزاه خيرا على ما قدم. وقمين بنا جميعا أن نذكره ونراجع سيرته ونقف عند منجزاته المفيدة لحاضرنا ومستقبلنا.
أ .د. إبراهيم خليل العلاف
جامعة الموصل