جوبا (السودان)ـ في الوقت الذي أدت فيه الحملة الأخيرة التي قادتها السلطات في جنوب السودان لمصادرة الأسلحة غير المشروعة إلى تجميع "ترسانة مخيفة" من الأسلحة، يحذر المحللون من أن نزع السلاح بالقوة يمكن أن يولد المزيد من العنف.
وكانت قوات الأمن قد أطلقت حملة في جوبا، عاصمة جنوب السودان في 9 سبتمبر/أيلول يقوم خلالها الجنود ورجال الشرطة بتفتيش المنازل بحثاً عن أسلحة غير مشروعة.
وفي هذا الإطار، قال رئيس حكومة الجنوب سلفا كير يوم 13 سبتمبر/ايلول "هذه هي الخطوة الأولى التي اتخذناها لجمع الأسلحة من الناس وستستمر الحملة حتى نتأكد من أن جميع الأسلحة قد أصبحت في المخازن".
وأضاف كير الذي يشغل أيضاً منصب النائب الأول للرئيس السوداني أن وجود الأسلحة في أيدي الناس يزيد من انعدام الأمن لأن بعض الأشخاص يحتفظون بها للقيام بعمليات النهب ليلاً والقتل.
وتخطط حكومة الجنوب تعميم الحملة في جميع أنحاء الإقليم شبه المستقل، حيث قال الجنرال جين شوانق وزير الشؤون الداخلية في كلمة أذيعت على راديو السودان في 17 سبتمبر/أيلول أن "هذه العمليات سوف تستمر بصورة يومية".
وأضاف قائلاً "لن تتوقف الحملة في جوبا ـ بل سنستمر في ولايات أخرى...وقد أصدرنا تعليمات لقادة القوات النظامية في جميع ولايات جنوب السودان للقيام بالعمليات نفسها".
ويقول المؤيدون إن هناك حاجة ماسة إلى مثل هذه الحملة إذ يعج الإقليم بالأسلحة بعد 22 عاماً من الحرب الأهلية التي انتهت باتفاق السلام عام 2005.
وقال وزير الشؤون الداخلية أنه قد تم ضبط أكثر من ألف قطعة من السلاح في مدينة جوبا مع صور تلفزيونية لمئات البنادق من طراز آيه كيه 47 والعديد من الرشاشات الثقيلة والقذائف الصاروخية وقاذفات الصواريخ.
وقال جيمس غاتش الذي يعمل تاجراً في المدينة "أرى أنه أمر جيد..لأنه ليس من المفترض أن تكون مثل هذه الأسلحة في حيازة المدنيين. ما حاجتك إلى أسلحة ثقيلة إلا إذا كنت تستعد لخوض الحرب؟".
وتأتي هذه الحملة في أعقاب سلسلة من الاشتباكات الدامية في الجنوب.
وقالت ليز غراند، نائبة الممثل المقيم للأمم المتحدة في جنوب السودان الصحفيين في 12 آب/أغسطس أن "أكثر من ألفي شخص لقوا حتفهم وتعرض250 ألفاًَ غيرهم للنزوح بسبب العنف الذي اندلع بين المجموعات العرقية في أنحاء جنوب السودان".
وفي أحدث الاشتباكات أفادت السلطات في ولاية جونغلي أن ما لا يقل عن 102 شخص لقوا مصرعهم في 20 سبتمبر/أيلول عندما هاجم مسلحون من قبيلة لو نوير قرية دوك باديت التي تسكنها قبيلة الدينكا هول.
وتجاوزت معدل القتلى الذين سقطوا بسبب العنف في الجنوب الآن ما تم تسجيله في ولاية دارفور التي مزقتها الحرب في غرب البلاد، وفقاً للأمم المتحدة.
وقال الجنرال كول ديام كول، المتحدث باسم الجيش الشعبي لتحرير السودان أن "مصادرة الأسلحة غير قانونية يعني أن هناك عدداً أقل من الأسلحة في حوزة الناس للتسبب في المشاكل".
وأضاف أنه "يجب على قوات الأمن الرسمية والشرطة فقط حمل الأسلحة لأن مهمة توفير الأمن تقع على عاتقهم".
ويدعي الكثير من الأشخاص من الحركة الشعبية لتحرير السودان أن أعداء الحرب الأهلية السابقين في الشمال هم من يقف وراء موجات العنف هذه.
وقال جون أشوورث، الخبير في الشؤون السودانية في تقرير أصدرته مجموعة "باكس كريستي" في سبتمبر/أيلول أن "شخصيات بارزة في الحركة الشعبية لتحرير السودان اتهمت الشمال بتوريد الأسلحة. كما يتم تداول الكثير من التقارير الشعبية التي تتحدث عن استخدام طائرات عسكرية وبزات عسكرية ومعاينة أسلحة جديدة لم يسبق استخدامها".
ولكن مسؤولين من الشمال نفوا مراراً وتكراراً الادعاءات التي اتهمتهم بدعم الميليشيات في الجنوب.
وقال عثمان الأغبش المتحدث باسم القوات المسلحة السودانية إن هذه الاتهامات "لا أساس لها من الصحة".
أما أشوورث فقد حذر أيضاً من أن جهات أخرى قد تكون مسؤولة عن توريد الأسلحة.
وقال "لا يمكن تتبع كل المتهمين في الخرطوم وبعضهم قد يكون على صلة بالجبهة الشعبية لتحرير السودان"، محذراً من إمكانية استغلال التوترات العرقية المحلية.
وقال كير إنه يخشى من تصاعد وتيرة العنف قبل الانتخابات المقررة في أبريل 2010 والاستفتاء حول استقلال الجنوب المقرر في يناير/كانون الثاني 2011.
ورغم أن نزع السلاح أمر أساسي ولكن القيام به خارج المراكز الحضرية مسألة معقدة.
فمع مستوى الأمن المحدود في المناطق النائية، يشعر الكثير من الأشخاص أنهم مرغمون على إعادة التسلح لحماية أنفسهم.
وفي هذا الإطار، قال ماثيو دينغ، الذي ينحدر من ولاية جونغلي "نحن بحاجة لحماية أنفسنا وأبقارنا...فجاري قد يأخذ كل ما لدي ويقلني إذا تخليت أنا عن سلاحي بينما احتفظ هو بسلاحه. نحن لا نشعر بالأمان دون سلاح".
وتم توجيه الانتقادات لحملات نزع السلاح السابقة بسبب تزايد العنف الناجم عن الاستهداف الانتقائي للمجتمعات وفقاً لانتماءاتها العرقية والسياسية.
وحذر آدم أوبراين في التقرير الذي أصدرته منظمة "سمول آرمز سيرفاي"، ومقرها جنيف، في يناير/كانون الثاني أنه "على الرغم من أن الحد من تداول الأسلحة الصغيرة أمر ضروري من أجل أن تحقيق السلام، غير أن نزع سلاح المدنيين في بيئة هشة بعد انتهاء الصراع يشكل خطراً مستتراً".
ولكن مراقبين آخرين ألقوا باللوم على السنوات الطويلة من القتال المرير بين الجماعات المتنافسة أثناء الحرب الأهلية.
ففي ذلك الوقت، انقسمت الفصائل المتناحرة بين النوير والدينكا واشتبكت مع بعضها البعض.
وقالت منظمة "سمول آرمز سيرفاي" في تقرير آخر صدر في مايو/أيار أن "بعض المجتمعات تنظر إلى عملية نزع الأسلحة على أنه استهداف لجماعات عرقية معينة مما يؤدي إلى تفاقم الانقسامات العرقية".
ويتردد صدى هذا التظلم في جميع أنحاء الإقليم، حيث قال جون توت الذي ينتمي إلى منطقة أكوبو التابعة لقبيلة لو نوير التي شهدت هجمات مكثفة في الآونة الأخيرة "أن لا يحمل أحد السلاح أفضل من أن يقتني الجميع الأسلحة والبنادق".
وأضاف قائلاً "سيحدث المزيد من القتال إذا كان أحد الجانبين قوياً والآخر ضعيف وليس العكس...وهذا ما حدث في أكوبو".
ويقول المحللون إن نزع السلاح بالقوة لم ينجح في الجنوب.
فعلى سبيل المثال، بدأت السلطات عملية نزع السلاح بالقوة عام 2006 في ولاية جونغلي وجمعت خلالها 3 آلاف بندقية، غير أن المعارك التي حدثت لاحقاً خلفت ما لا يقل عن 1600 قتيل.
وقال أوبراين إن "حملة جونقلي تحولت إلى واحدة من أعنف الأعمال العسكرية في جنوب السودان منذ نهاية الحرب الأهلية الثانية كما فشلت في تحسين مستوى الأمن على المدى الطويل".
وحث كير الناس على "التعاون مع قوات الأمن للتخلص من جميع الأسلحة"، محذراً من أنه سيتم القبض على أولئك الذين يحاولون إخفاء أسلحتهم في عمليات لاحقة للبحث عنها.
وقال في هذا الصدد "نعلم أن بعض الأشخاص فروا خارج جوبا لإخفاء أسلحتهم والعودة بها لاحقاً ولكننا سنتعقبهم".
وأضاف قائلاً "لقد أخفى بعض الأشخاص بنادقهم في حفر داخل منازلهم، ولكننا سنخرجها من تلك القبور".(ايرين)