اقتحم فيلم حاتم علي "الليل الطويل" منطقة شائكة في عالمنا العربي، تتجاهلها السينما العربية منذ زمن ليس بالقصير، تلك المنطقة المحذورة للقمع السلطوي للرأي الآخر، وأثره المخرب في بنية المجتمعات العربية.
يدخل "الليل الطويل" إلى السلطة القمعية مباشرة من خلال أربع شخصيات رهن السجن مدد طويلة تصل إلى 20 عاما، قررت السلطة الإفراج عن ثلاثة منهم، وبالفعل تطلق اثنين منهما مع غروب الشمس ويبقى الثالث إلى صباح إلىوم التإلى.
الحوار يكشف عن أنهم جميعا مثقفين وسياسيين، ربما منهم مسرحيا وكاتبا وصحفيا، وأن كل منهم من مدينة مختلفة،عندما يصلون إلى الشارع نستشعر دهشة وفرحا مجروحا بالخروج للحياة التي تغيرت، يطلق أحدهم قدميه مستبقا نفسه إلى فندق متواضع، فزوجته هربت بابنته فور اعتقاله وأخوه كفره، وآخر يطلق ليرى ابنته وحفيدته، بينما بطلنا "كمال" يؤجر سيارة تاكسي لتوصيله إلى مكان، نعرف بالنهاية أنه مسقط رأسه وبيته القديم ليموت هناك.
يعرف نبأ الإفراج عبر حما "عروبة" الذي يأتي ممثلا لسلطة غابرة لعبت دورا "أساسيا" في سجن هؤلاء الذين كانوا أصدقاءه، بل إن "أبو نضال" ـ كمال ـ كان صديقه الحميم والمقرب الذي شهد على عقد زواجه، لكنه لم يتوان أمام مصالحه من أن يخونه ويزج به إلى السجن.
نبأ الإفراج يطير للأبناء لنتعرف على تمزق واضح في الرؤى الفكرية والإنسانية، ابن يرى أن أباه أضاع الأسرة والأبناء من أجل رأي كان من الممكن ألا يتمسك فيه، وهو الابن الذي يستولي على شقة الأسرة، وهناك الابن وأيضا الحفيد الذي تتوافق رؤاه مع ما آمن به الجد، فالوطن أهم من الأسرة.
نمضي ليلا طويلا حقا مع رحلة إنسانية نرى فيها لعذابات الإنسان، الإنسان المثقف الوطني المصر على مبادئه وأفكاره ولا يزال لديه الاستعداد لدفع أي ثمن دفعا عنها، لأنها تخص الوطن وبناءه، الإنسان الجلاد الذي يندم على فعله وزجه بأصدقائه بالسجن، ويجني من وراء ذلك سلطة ونفوذ، الإنسان الذي لا يبالي بشيء لا أبيه ولا زوجته، الإنسان الذي لا يرى إلا مصالحه، وهكذا.
لقد قدم الفنانون المشاركون في الفيلم أداء تمثيلا متميزا جدا، يرقى إن لم يكن على قدم المساواة مع الأداء العالمي، وهكذا التصوير الذي حمل حرفية عإلية على التقاط أدق تفاصيل الذات الإنسانية داخل وخارج محيطها.
تكامل الفنون أحد أبرز سمات هذا الفيلم ـ أيضا ـ فالفيلم يدخل على المشاهد دخولا مسرحيا ملفتا، وقويا، المطر يتساقط وشخصية "حسن" ـ الفنان نجاح سفكوني ـ تزلزل أركان المكان، لندخل إلى الزنزانة التي تمثل لوحة تشكيلية مأساوية، تتناثر فيها الأحلام والأفكار والآراء، وتلونها أوراق الماضي.
أيضا شارع أو شوارع الليل الطويل لم تكن مجرد مشاهد بصرية لكاميرا تمر على متغير إنساني وسجين أطلق من سجنه، بل تجاوزت ذلك لتخلق حالة من التفاعل بين الماضي والحاضر، وقد لعبت الإضاءة دورا مهما في رسم وتشكيل ما يضرم داخل شخصية "كمال" ـ خالد تاجا ـ وتجلى ذلك حين سقط المطر وتوقفت السيارة ونزل يستقبل المطر رافعا وجهه للسماء، وسط دهشة سائق التاكسي، الذي كان يشير له بدخول السيارة، لقد نجح حاتم علي في تحقيق تكامل للفنون البصرية والتشكيلية والتمثيلية، حتى إنه عندما أنهى الفيلم أيضا على لوحة تشكيلية خضراء تجمع الماضي "الجد" والمستقبل "الحفيدة"، "الشرق" الجد، "الغرب" الحفيدة في رؤية تفاؤلية لهذه العلاقة المهمة والمصيرية بين الحاضر والمستقبل، قد تتحقق يوما.
إن هذا الفيلم على كل مستوياته من إخراج وسيناريو وحوار وتمثيل وتصوير، فضلا عن قضيته الجوهرية في حياة الإنسان العربي وجرأته في تناولها دون خطاب زاعق أو افتعال مقصود، وبشفافية إنسانية راقية، يضع الفيلم السوري على أعتاب مكانة مهمة، كان لابد له أن يجتازها منذ زمن طويل.