تشكل الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي تشهدها تونس يوم 25 تشرين الاول/ أكتوبر 2009 حدثا ديمقراطيا حيث أمام الناخب التونسي برامج سياسية متنوّعة منها برنامج الرئيس زين العابدين بن علي الذي رشّحه حزبه التجمّع الدستوري الديمقراطي لاستحقاق رئاسي جديد وكذلك فعلت ثلاثة أحزاب معارضة حيث اختار كل حزب مرشحا له لمنافسة بن علي فيما تقدّمت الأحزاب السياسية التسعة بقائمات مرشحيها لمقاعد البرلمان وبذلك اكتمل المشهد السياسي التعدّدي.
ويأتي هذا الموعد الانتخابي الجديد، عقب إصلاحات سياسية عميقة ومسار تنموي شامل ومتضامن انتهجته تونس على مدى العقدين الماضيين.
وقوبلت إصلاحات بن علي وسياسته باستبشار شعبي كبير حيث التفّ التونسيون حول مشروعه وانخرطوا على اختلاف حساسياتهم السياسية والفكرية في مسار التغيير وعادت الثقة للنفوس وترسّخت الثقة بين القيادة السياسية والشعب، بفعل الإصلاحات الهيكلية والمبادرات الرئاسية ذات الطابع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وظلت كل مبادرة لعهد التحول مشفوعة بإصلاح جديد أعمق وأشمل بما عزز في حيّز زمني قصير شرعية التحوّل الذي أرسى أنموذج حكم ديمقراطي أساسه العودة إلى الشعب والإصغاء إليه وتشريكه في وضع مخططات التنمية واحترام رأيه وطموحاته في بناء مجتمع الحرية والديمقراطية في ظل دولة القانون والمؤسسات.
ولئن كانت تنمية المجتمع الآن قائمة في كل رقعة من أرض تونس وينتفع بها ويجني ثمارها كل مواطن، فإن الديمقراطية والحرية والتعددية السياسية ودولة القانون والمؤسسات تمثل اليوم ابرز عناوين انجازات التغيير.
وقد توّج عهد التغيير الذي قاده بن علي المسار الديمقراطي بالإصلاح الجوهري للدستور والذي استفتي في شأنه الشعب لأول مرة في تاريخ تونس يوم 26 ايار/مايو 2002 فاختاره وأيّده الشعب بأغلبية مطلقة وبذلك أثبت الشعب التونسي أنه مصدر السلطات ولا سلطة أو سيادة تعلو على إرادته.
فالإصلاح الدستوري الذي بادر به الرئيس بن علي طال نصف فصول الدستور التونسي الصادر في 1 حزيران/يونيو 1959 واجمع التونسيون على وصفه بالجوهري لأنه كرّس لأول مرة صلب الدستور وفي بابه الأول المبادئ الأساسية والقيم المرجعية التي انبنى عليها المشروع المجتمعي لعهد السابع من نوفمبر بما يجعل هذه المبادئ والقيم تكتسب قيمة دستورية وهي شمولية حقوق الإنسان وتكاملها ومبادئ دولة القانون والمؤسسات والتعددية السياسية وقيم التضامن والتسامح مع التكيف مع منظومة حقوق الإنسان في مختلف أبعادها الشاملة والحفاظ على الطبيعة الرئاسية للنظام السياسي وإثراء الوظيفة التشريعية بإحداث غرفة ثانية ـ مجلس المستشارين ـ إلى جانب مجلس النواب التعددي وتوسيع صلاحيات المجلس الدستوري.
الإصلاح الدستوري
كما أجمع المجتمع المدني التونسي على أن الإصلاح الدستوري الأخير يعد نقلة نوعية للنظام السياسي في اتجاه تطوير القوانين وفقا لتطور المجتمع وتطلعاته بما يدعم أكثر حقوق الإنسان والحريات الأساسية ويعزز دعائم النظام الجمهوري وسيادة الشعب ويرسي أسس جمهورية الغد القائمة على مبادئ دولة القانون والتعددية والعمل من أجل كرامة الإنسان وتنمية شخصيته والارتقاء بها إلى مستوى الدستور الذي تضمنت تعديلاته واجبات ترسيخ قيم التضامن والتآزر والتسامح بين الأفراد والأجيال والفئات والارتقاء بهذه القيم إلى مستوى الالتزام الجماعي ضمن الدستور ترسيخا لما عرفت به تونس عبر تاريخها العريق من تشبّت بهذه القيم وتأكيدا للمكانة الرفيعة التي يوليها عهد السابع من نوفمبر للتضامن الوطني الذي أصبح ميزة بارزة من خصائص الأنموذج التونسي للتنمية.
وللمجتمع المدني التونسي اقتناع اليوم بأن تونس قطعت خلال سنوات التحول خطوات متميزة على طريق التنمية والديمقراطية، إذ انفتحت الأبواب واسعة أمام الأحزاب السياسية والحساسيات الفكرية المختلفة للنشاط والتعبير، والدعم متواصل لأحزاب المعارضة الوطنية لتضطلع بمهمتها وتحتل المكانة التي تستحق في الهياكل الاستشارية والدستورية، وقد توسعت الاستشارة حول أهم القضايا لتشمل الحساسيات السياسية والفئات الاجتماعية والطاقات الفكرية التي تزخر بها البلاد فضلا عن إرساء نسيج جمعياتي متنوع يحظى بعناية فائقة من طرف القيادة السياسية.
وصادق مجلس النواب على مشروع قانون دستوري آخر متعلق بأحكام استثنائية للفقرة الثالثة من الفصل 40 من الدستور وهذا الإصلاح يندرج في صميم الإصلاحات السابقة التي تجعل من التعددية السياسية إحدى المبادئ الجوهرية للنظام السياسي التونسي، وقد وفر هذا التعديل فرصة لكل حزب ممثل في البرلمان لتقديم متشرح عنه في الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2004 مع تمكينه من مرونة أكثر في اختيار هذا المرشح مع الحرص على تأمين الحد الأدنى من الإشعاع سواء بالنسبة للحزب السياسي أو المرشح وذلك من خلال شرط التمثيل في مجلس النواب وهذا يعني ضرورة تمتع الحزب بقاعدة شعبية دنيا مع شرط الحصول على تزكية عدد معين من النواب أو من رؤساء المجالس البلدية.
عراقة التجمع الدستوري
ولئن أصبح لتونس تسعة أحزاب سياسية ستة منها تأسست في عهد التحول، فإن الرئيس بن علي هو رئيس أعرق حزب سياسي في تونس وهو التجمع الدستوري الديمقراطي الذي تأسس عام 1920، ويعدّ هذا الحزب في صفوفه نحو مليونين ونصف مليون منخرط وقد رشح التجمع الدستوري الديمقراطي بن علي لخوض انتخابات الرئاسة لعام 2004 التي فاز فيها بالأغلبية.
ولما عقد حزب التجمع مؤتمره الوطني في موفى شهر تموز/ يوليو 2003 تحت شعار "الطموح" اختتم الرئيس بن علي خطاب التجمع بقوله: "من الوفاء لهذا الشعب الأبي وبرّا بهذا الوطن المفدّى وإخلاصا للأمانة المقدسة التي كافح من أجلها المناضلون والمقاومون والشهداء ونزولا عند رغبة أبناء تونس وبناتها من مختلف الفئات والأجيال والجهات، أقول لكم بكل فخر إنني دائما معكم على العهد وأجيبكم بكل اعتزاز، نعم لأن أكون مرشحكم للانتخابات الرئاسية لسنة 2004".
واختار التجمّع الدستوري الديمقراطي مجدّدا بن علي ليكون مرشّحه للانتخابات الرئاسية ليوم 25 تشرين الاول/ أكتوبر 2009.
أن مختلف الشرائح الاجتماعية أصبحت تطمح إلى مزيد الرخاء الاقتصادي في كنف الحرية والديمقراطية مع الحرص واليقظة من أجل حماية كل المكاسب التي تحققت بجهد المجموعة الوطنية ذلك أن المجتمع التونسي المتأصل في عروبته وإسلامه، يرفض كل أشكال الشطط والتعصب والتطرف ولذلك فهو متشبث بدولة القانون والمؤسسات ومعتز بقيادته السياسية التي نبهت منذ بداية التسعينات من القرن العشرين إلى أخطار الإقصاء والتهميش وإلى نزعات التطرف والتعصب ودعت منذ ذلك التاريخ المجموعة الدولية إلى عقد مؤتمر لتكريس أسس وآليات الأمن والسلم والتعاون في العالم مع إصدار مدونة سلوك دولية لمقاومة الإرهاب.
ولقد اعتبر الرئيس بن علي أن التغيير نحو الأفضل هو جهد يومي كما توفق إلى جمع جهود المجموعة الوطنية إلى الانخراط الواعي والمسؤول في هذا المجهود لبناء تونس الحديثة وتحقيق التقدم الاقتصادي والرقي الاجتماعي.
وفي شهر اب/ اغسطس 2003 بيّن الرئيس بن علي في حديث صحفي "إن التغيير في منهجنا يتمثل في إرساء أسس جديدة لنمط مجتمعي يتجاوب مع مقتضيات العصر ويستجيب لتطلعات مختلف شرائح شعبنا وفئاته وتوقها إلى الرقي والعدالة الاجتماعية والحريات الأساسية. كما أن التغيير نقلة نوعية أعدنا فيها ربط الجسور بتاريخنا الوطني العريق وبحركة الإصلاح التي كانت تونس سباقة إليها منذ أواسط القرن التاسع عشر.
وقد حرصنا على أن يكون التغيير فعلا عميقا وأن يكون الإصلاح منهجا فكريا وسياسيا شاملا من خلال اتباع أسلوب متجدد في معالجة القضايا إلى جانب تغيير لغة التخاطب مع الواقع الجديد.
ومن خلال هذين المفهومين للتغيير والإصلاح وفقنا في وضع تصور حضاري متكامل لنمو بلادنا وتقدمها قوامه الترابط العضوي بين الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية وبين التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان...".
وتبرز هذه الفقرة ملامح سياسة التغيير الذي اختار السير بتونس في مسارين مترابطين ومتوازيين لا مفاضلة بينهما وهما طريقا التنمية والديمقراطية.