بن علي: تونس لا تتدخل في شؤون الآخرين وتطلب منهم عدم التدخل في شؤونها
 تونس: فتح الترشّح لجائزة رئيس الجمهورية للدراسات الإسلامية
 طرابلس تقف في خندق تونس ضد باريس
 بن علي: تونس عصيَّة على التشويه
 تونس المتشبثة بسيادتها ترفض اي تدخل أجنبي في شؤونها
 تونس تدين 'اعتداءات الحوثيين' على السعودية
 غضب تونسي من موقف الحزب الاشتراكي الفرنسي
 المعارضة التونسية تطالب فرنسا بالتعويض عن استعمارها لتونس
 تونس تحيي الذكرى 22 للتغيير
 تونس : الصحافيون ليسوا فوق القانون

First Published 2009-10-25, Last Updated 2009-10-26 08:18:23


التضامن والوسطية والتسامح دستور تونسي غير مكتوب

'الطريق الثالث' سر النجاح التونسي

 
قراءات في خيارات تونس السياسية والاقتصادية والاجتماعية على مدى أكثر من عقدين من حكم بن علي.

ميدل ايست اونلاين
لندن – بمناسبة الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي تعيش على وقعها تونس هذه الأيام واحتفال تونس بالذكرى الثانية والعشرين لتغيير 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987، أصدرت مؤسسة العرب للصحافة والنشر (ومقرها لندن) كتابا جديدا عن تونس، تحت عنوان "بن علي.. الطريق الثالث".

الكتاب الجديد يقدم قراءات عميقة لمواطن النجاح في التجربة التونسية، وهي قراءات تكتبها مجموعة من المؤلفين اعتمادا على الأرقام والشهادات والموضوعية.

الكتاب يقدم له رئيس التحرير المدير العام المسؤول في مؤسسة العرب للصحافة والنشر محمد الهوني بمقال افتتاحي يحمل عنوان "تونس تصنع طريقها الخاص للتغيير" جاء فيه:

لم تختر تونس لنفسها منوالا سياسيا أو اقتصاديا قائما تسير عليه وتطبّق تفاصيله حرفيا، بل صنعت لنفسها منوالا خاصا يقوم على الخصوصية والتدرّج وخدمة المواطن، وقد نحتت في طريقها هذا مصطلحات خطفت الأضواء مثل المجتمع المتضامن، والتنمية المتضامنة وعملت على إعطائها بُعدا كونيا من خلال الدعوة إلى جعلها أساسا في صياغة العلاقات بين الدول والتكتلات الإقليمية وغير الإقليمية.

إن تونس اختارت لنفسها طريقا ثالثا ليس فقط ببعده الاقتصادي والاجتماعي وإنما في تجسيداته السياسية والثقافية ومقاربتها لحل قضايا العالم وللعلاقات الدولية ككل.

فالدولة في تونس، ومنذ تغيير السابع من تشرين الثاني/نوفمبر1987، لم تختر أن تطلق اليد الطولى للمنافسة الاقتصادية الجافة التي كانت ستفرز طبقة صغيرة مستأثرة بالمال وأخرى محرومة من الحق في العمل والضمان الاجتماعي، كما أنها رفضت أن تضع اليد على مختلف الدواليب وتتحكم في كل شيء مما كان سيهدد بتحويلها إلى أخطبوط إداري يكبّل المبادرة الفردية الخاصة ويعيد إنتاج تجارب فاشلة لما كان يُعرف بالاشتراكية الحرفية أو الاقتصاد الموجّه التي عرفتها بعض البلدان العربية.

لقد وقفت الدولة في تونس في منزلة بين المنزلتين، فلا هي أطلقت يد الرأسمال الوطني على عواهنه ولا هي أعاقته وكبّلته، بل سهّلت له الطريق للمبادرة الحرة وصناعة التنمية على أن يشترك في بناء الاقتصاد المتضامن الذي يفتح الباب أمام جميع المواطنين للاستفادة من عائدات الثروة الوطنية، وهو ما أشار إليه الرئيس زين العابدين بن علي في أكثر من مرة، من ذلك حواره إلى "أفريك ماغازين" (عدد اكتوبر 2009) حين قال "ونحن نفخر بالخصوص بنموذج المجتمع المتضامن الذي توفقنا إلى بنائه والذي مكننا من تأمين استفادة كل شرائح شعبنا وكل جهات البلاد من ثمار النمو الاقتصادي بالتوازي مع ترسيخ ثقافة المبادرة الحرة والجهد والبذل الضروريين لتحقيق الازدهار الفردي".

وفي سياق بناء المجتمع المتضامن ساهمت المؤسسات التونسية (بما في ذلك القطاع الخاص) في إنجاح مشروع صندوق التضامن "26/26" ما مكّن من تغيير نوعية حياة آلاف الأسر في الأرياف وتحسين البنية التحتية وخلق مواطن عمل جديدة لأبنائها، فضلا عن التفاعل مع الخطط الهادفة إلى توسيع دائرة لامركزية التنمية لتشمل مختلف المحافظات وإنجاح خيار المفاوضات الاجتماعية.

وفي سياق مواز، فإن الدولة الحاضنة التي أسس لها المجتمع المتضامن ركّزت جهودها على تحقيق شروط العيش الكريم لفائدة المواطن وأعطت مساحة كبيرة من الجهد والتخطيط لتوسيع دائرة الخدمات وتحقيق الضروريات والارتقاء بالكماليات إلى دائرة الضروريات (الحق في بيئة نظيفة مثلا) بما يعنيه هذا من مساهمة في خلق الشروط والتسهيلات أمام المواطن للتمتع بها.

ويكفي الاستدلال هنا ببعض الأرقام لتأكيد العمق الاجتماعي لدولة الرعاية الاجتماعية التي تبنتها تونس، ونذكر منها أن دخل الفرد تضاعف 4 مرات ليبلغ الآن 5 آلاف دينار، وأن نسبة التعليم تقارب 99% وأن 80% من التونسيين يمتلكون مساكن خاصة بهم، فضلا عن النزول بنسبة الفقر إلى 3.8 %، دون أن نغفل على توسع شبكات الماء والكهرباء والطرقات المعبّدة إلى نسب تقارب 100%.

ولقد نجحت السياسات الاجتماعية المتضامنة المراوحة بين المبادرة والفعل، وبين الحق في الخدمات، في أن تحقق رقما لم تصل إليه دول كبرى فما بالك بالدول الإقليمية، ونعني به اشتمال الطبقة الوسطى على نسبة تتجاوز ثلثيْ التونسيين.

لقد انتهى هذا النموذج إلى تحقيق اختراقات كبرى على مستوى التصنيفات الدولية قياسا مع دول أخرى تمتلك إمكانيات هائلة خاصة من النفط والغاز والأراضي الشاسعة، فيما تمتلك تونس إمكانيات محدودة بالمواصفات العادية المتعارف عليها، ومن هذا التصنيفات نذكر حصول تونس على رتبة أفضل دولة عربية من حيث مقياس جودة الحياة والأولى أفريقيا في التنافسية الاقتصادية، وهناك أرقام أخرى عديدة تعطي الريادة لتونس في منطقتها.

هذا النجاح الاجتماعي والاقتصادي اللافت جدا لم يكن معزولا عن نجاحات أخرى كبيرة أثبتت للمتابعين أن التجربة التونسية تجربة مغايرة وتقف خارج التصنيفات التقليدية، ومن هذه النجاحات نذكر النجاح السياسي الذي جعل تقارير دولية تضع تونس كأفضل دولة إقليمية من حيث الاستقرار السياسي.

وتقوم المقاربة التونسية على اعتبارين اثنين أولهما الإيمان بأن التطوير والتحديث جهد متواصل يرتقي المراتب بالتدرج والتراكم والإضافة، وهو ليس نموذجا جاهزا معلّبا كما تتوهمه وتتمسك به بعض الأصوات والتنظيمات التي تريد استنساخ تجارب انتهت صلاحيتها مع تهاوي الاستقطاب الدولي في تسعينيات القرن الماضي.

النموذج التونسي لم ينحز لديمقراطية الفوضى التي عصفت بمصير الكثير من الشعوب، بل أسس لتجربة تعددية رعاها بالإضافة الى تطوير القوانين والإجراءات من محطة إلى أخرى حتى انتهت إلى تعددية فعلية في انتخابات 2009، وهو حراك حي يتسم بالتصريحات والتصريحات المضادة، فضلا عن وجود أربعة مرشحين للرئاسة واشتراك مختلف الأحزاب المعترف بها في منافسات التشريعية بقطع النظر عن ألوانها أو علاقتها مع السلطة.

ووعد بن علي في حديثة إلى "أفريك ماغازين" بأن تشهد المرحلة القادمة "طورا ديمقراطيا جديدا أكثر تقدما"، ما يعنيه أن التعددية الراهنة وإن كانت مكسبا لافتا فهي ستتدعم بصورة أوضح وأكثر مدى في الفترة القادمة.

أما الاعتبار الثاني الذي اخترقت به المقاربة التونسية ما هو سائد في دنيا السياسة فيكمن في رؤيتها لحقوق الإنسان ومدلولاتها، فإذا كانت الغالبية تحصرها في البعد السياسي حتى تحولت إلى مزايدات وشعارات وتصنيفات أفرغت الميثاق العالمي لحقوق الإنسان من مضمونه وجدواه، فإن تونس أعطتها بعدا متعددا وشاملا لا يمكن أن يقف عند نقطة ما دون غيرها سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية.

وفي هذا السياق يقول زين العابدين بن علي "فقد اخترنا انتهاج تمش متدرج وشامل لتعزيز حقوق الإنسان بصورة تكفل النهوض بمجمل هذه الحقوق سياسية كانت أو اقتصادية أو ثقافية أو اجتماعية مع السهر على تحصين بلادنا إزاء محاذير ومخاطر التراجع".

والشواهد على هذا التمشي كثيرة لعل أبرزها الإجراءات المتخذة لفائدة ضعاف الحال والمعوزين والمسنين وذوي الحاجات الخصوصية الذين عملت الحكومة على جعل الإدارة التونسية (بما فيها الدوائر الحكومية) تتعاطى معهم على أساس المواطنة في الانتداب والتعليم والتكوين، فضلا عن إجراءات متواصلة لفائدة نزلاء السجون حتى يخرج السجن من دائرة كونه مؤسسة عقابية إلى مؤسسة لإعادة التأهيل والتدريب.

إلى ذلك، فإن الرؤية التي قادت التعاطي مع الملفين الاجتماعي والاقتصادي كملفين متلازمين لا يتقدم أحدهما على الآخر، والتي أعطت حقوق الإنسان بعدا أكثر فاعلية وقبولا هي التي حرصت على التأسيس لعلاقات دولية مبنية على التضامن والحوار والتسامح والشرعية الدولية بدلا من المواجهة والصراع، وتجسد ذلك خاصة في حث دول الشمال على بناء علاقات منفعة متبادلة مع دول الجنوب تقوم على التكافؤ والشراكة، وهو ما يفسّر دعم تونس للاتحاد من أجل المتوسط كآلية تعاون بين ضفتيه وللشراكة مع أوروبا ككل على أساس تحقيق نموذج للتنمية المتضامنة والتكامل الذي يرتكز على الاحترام المتبادل وسيادة كافة الدول، كما قال عنه رئيس الدولة.

وعُرفت المواقف التونسية بالوضوح الدائم في الدعوة إلى التمسك بالقانون الدولي باعتباره الأرضية المشتركة التي يلتقي حولها العالم، من ذلك دعوتها إلى تجسيد الشرعية الدولية في فلسطين وفرض حق الفلسطينيين في الحصول على دولتهم المستقلة مثلما تضمن ذلك القرارات الدولية العديدة الصادرة عن المؤسسات الدولية ذات النظر.

وفي سياق نظرتها الخاصة المتأسسة على التوازن والاحتكام إلى الرؤى، تعارض تونس مقولات صراع الحضارات والأديان وخوض الحروب لحل صراع الأفكار وتتمسك بالحوار والتسامح والاعتراف بحق الآخر في التمايز والاحتفاظ بخصوصياته، وقد أسست لذلك "كرسي بن علي لحوار الحضارات والأديان" الذي عقد الكثير من الندوات والملتقيات والبيانات في الغرض.

وهكذا فإن الرئيس بن علي صنع تاريخا خاصا من رحم التجربة والرؤية التي تستشرف المستقبل، وصنعت تونس لنفسها طريقا ثالثا تحتكم إليه في مختلف القضايا سواء اختلفت مع الآخرين فيه أم تقاطعت معهم.

الطريق الثالث

وفي مقال للناشر تحت عنوان "الطريق الثالث.. خيارات بلد انتصر لقيم الوسطية والاعتدال والتضامن" نجد شرحا دقيقا لكون تونس صنعت طريقها الثالث انطلاقا من خصوصياتها وخطط قيادتها السياسية ولم تكن تسير من قريب ولا من بعيد وراء مقاربات أو رؤى لأي مفكر أو منظّر بمن في ذلك المفكر البريطاني الشهير انتوني جيدنز صاحب كتابه "الطريق الثالث تجديد الديمقراطية الاجتماعية".

يقول الناشر إن "الطريق الثالث" يوازي في تجربة تونس مصطلحات ومفاهيم وقيما ومبادئ مشتقة من سفر هوية البلد وثمرات تمثله للفكر الإنساني مؤداها "الوسطية" و"الاعتدال" و"الوفاق" و"التوازن" و"التضامن".

الصعود الثابت

في الكتاب نقرأ دراسة تحليلية للروائي والجامعي التونسي، الرئيس السابق لاتحاد الكتاب التونسيين، الدكتور صلاح الدين بوجاه تحمل عنوانا لها "السياسة التونسية – الصعود الثابت"، أبرز ما جاء فيها قوله "إننا إزاء نموذج ناجع يتوق إلى انجاز المزيد من النجاح السياسي غير المفصول عن حوافه الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، نجاح يؤمن بالنسبة إلى الأجيال القادمة أطوارا متعاقبة من النماء العام الموصول بالمطارات، والموانئ، والجسور العملاقة، ودولة قائمة على القانون والمؤسسات، وقيم تضامن وتسامح ووسطية، ارتفعت إلى مستوى دستور البلاد، وغدت ضامنة لأوسع مفاهيم الرفاه في شمال افريقيا والمنطقة العربية".

"هكذا تغدو رهانات أكتوبر 2009 رهانات عليا ذات قيمة إستراتيجية قائمة على واقع حديث متحول ورامية إلى تحقيق المزيد من المناعة بتوفير أسسها المؤدية إليها".

على طريق تحرير المرأة

ومن المقالات المهمة في هذا الكتاب، أيضا، يمكن أن نذكر مقالا للجامعي، الناقد والشاعر الجزائري المقيم ببريطانيا، الدكتور أزراج عمر الذي يحمل عنوان "تونس على طريق تحرير المرأة" وجاء فيه "يطمح هذا المقال إلى دراسة علاقة التكامل بين الفكر الاصلاحي التونسي أولا، والفكر النهضوي العربي الاسلامي بالدرجة الثانية وبين السياسة في التجربة التونسية المعاصرة المكرسة لترقية المرأة. وتعتبر هذه التجربة من التجارب الايجابية لبناء وعي جديد، وأرضية مادية وقانونية لإخراج المرأة التونسية من التبعية الذكورية، ومن التخلف، ومن أجل تحريرها من الشروط الذهنية والمادية التقليدية والرجعية الموروثة".

الاقتصاد والتعليم في قلب عملية التغيير

في الكتاب نجد مقالات أخرى هامة وتناقش قضايا الاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا والإعلام لمجموعة بارزة من الكتاب والإعلاميين بينهم الدكتور بجامعة السوربون حسن مصدق، والدكتور ميشيل أبيدال، والدكتورة خديجة زروال، والدكتورة سميرة صايم، والباحث عبد الدائم السلامي، والإعلاميان جيهان لغماري وطارق القيزاني.
طباعة شاملةطباعة مبسطة


اعلى