تكفير الشعراء 1
 تجدد الاشتباكات بين السعودية والحوثيين
 الجيش الايراني: الدولة الارهابية الوهابية السعودية تقتل شيعة اليمن
 إيران والسعودية تدقان طبول الحرب بالوكالة
 حشود عسكرية سعودية ويمنية لوضع الحوثيين بين حجري رحى
 اليمنيون الرقم الصعب في معادلة غوانتانامو
 حمَّامات صنعاء: فحولة، وتاريخ معماري فريد
 ليبيا تلطف الأجواء مع السعودية بجسر جوي للإغاثة
 المجلس الشيعي العراقي: أوقفوا الحرب ضد الحوثيين
 'منطقة نار' سعودية في عمق أراضي اليمن
 حرب صعدة: واشنطن ترسل رسالة تحذير عملية إلى إيران

First Published 2009-11-09, Last Updated 2009-11-09 17:00:54


'فعل إعدام وتصفية'

تكفير الشعراء (2): أخطر من الاحتلال والطغيان

 
اللبوس الديني للتكفيريين يلغي ممارسات الحوار من الذاكرة الجمعية، لكي لا ننتظر من المبدعين أية إضافة.

ميدل ايست اونلاين
القاهرة – من محمد الحمامصي

يتربص الإسلاميون المتشددون بالشعر والشعراء، حتى نستشعر أحيانا كثيرا أن الشعر صار بمثابة عدو ينبغي مواجهته بالقمع والتحريم والسلب، وينسون أن الشعر فعل إبداعي مثل جزءا حيويا من تاريخ الحضارة الإسلامية، وأن نهضته وتألقه تحمل الكثير من دلالات قوة العربية ثقافة وحضارة، إن اطلاق مقولة "الشعر ديوان العرب" لم تولد هباء، بل جاءت ترسيخا لهذا الفعل الإبداعي وقوته وحيوية وجوده الإنساني، لكن يبدو أن حالة الوهن التي تعيشها الأمة تلقي بظلال قاتمة على القلوب والعقول.

وفي هذا يتساءل الناقد الدكتور حاتم الصكر أحد أبرز النقاد العرب متابعة لحركة الإبداع العربي شعرا وسردا على وجه الخصوص: هل يجوز التكفير عندما يطرح الإنسان رأيه في شيء ما؟

ويقول "التكفير فعل قائم على إلغاء الآخر وتجسيد لثقافة العنف في جانبها الجسدي، أي أنه فعل إعدام وتصفية، ولكن لمعنى الآخر ووجوده لا جسده، فبهذه الوسيلة المختصرة للموت يتم فناء الضد والنقيض فلا يعود له صوت".

ويضيف "التكفير توسيع لغوي في الاصطلاح لمعنى الكفر، وهو الدفن والإخفاء، ولا حاجة لبيان صلته المنقطعة بالحوار، فهو إنكار لأي رأي مقابل، وهو ادعاء بامتلاك الحقيقة دون نقاش، كالسير في اتجاه واحد: لا مكان فيه لعابر مخالف لوجهة السير".

ويتابع الصكر "إذن فالتكفير بهذا المعنى مصادرة لأي رأي، والشواهد القديمة لهذه الظاهرة -والمعاصرة أيضاً- تؤكد ذلك، إنه علامة على استبداد من نوع أخطر من استبداد المتسلط أو الحاكم بالقوة محتلا أو طاغية، فاللبوس الديني الذي يسبغه التكفيريون على فكرهم يلغي من الذاكرة الجمعية أي ممارسة للحوار والجدل، ويصبح الخوف هو سمة العاملين في الفكر والإبداع فلا ننتظر منهم إضافة أو مساهمة في التقدم".

ويرى الصكر ان التكفير يقترن بالإباحة المطلقة للقتل وهدر الدم، وتكون الأداة دوما هي الجهل، ويقول "يسخّر التكفيري جاهلا معبأ بالكراهية وفاقدا للفهم والتفكير– التفكير تقليب لغوي للتكفير وهذه مفارقة!- وترد في التمثيل دوما واقعة طعن نجيب محفوظ الذي اعترف الجاني في المحاكمة بأنه لم يقرأ الرواية التي أهدر التكفيريون على أساسها دم الكاتب بعد أن كفروه، المريد هنا ينوب عن عقل القارئ ويصبح الأخير يدا لتنفيذ فعل الموت".

ويضيف الصكر "أحيانا يتم إعدام المرء بالتفريق الأسري والنفي عن الوطن وسلب الحرية في التعليم والتربية، وهذا جانب من تداعيات واحتمالات مصاحبة لشيوع تلك الظاهرة، ثمة مفارقة كبيرة ومصادرة منطقية في ادعاء حق التكفير بعد الإنذار والتحذير على حدود المحذورات والمحظورات، كما يزعم مرتكبو هذا الفعل الإرهابي، فمن الذي يمتلك حق التنويه والتحذير؟ ثم من يحدد نطاق المحظورات والمحذورات؟ لأن السماح بذلك يشرع الباب لفعل التكفير او تجسيد التكفير فعلا على الأرض، ولا أجد لإنسان مثلي الحق في الحكم على ذلك، ولاسيما في مسائل الإبداع والكتابة والرأي، وهي المجالات التي يعمل فيها فكر التكفير ويشيع ثقافة الموت والكراهية".

ويقول الصكر "لقد جرى في أحيان كثيرة اقتطاع أجزاء من أعمال أدبية وأبيات من قصائد لتكفير أصحابها. وبهذه الطريقة الاجتزائية والقراءات الناقصة والمغلوطة ألغى التكفيريون طاقة المجاز في لغتنا وحوّلوا الوقائع الورقية إلى ما يظنون أنه يساويها في الخارج، لقد جنت قراءة المماثلة أي التساوي على قراءة المشابهة المجازية التي يفترضها العمل الأدبي".

ويردف قائلا "لا أحد إذن يمتلك حدود المحظور والمحذور أكثر من الآخر لكي ينوه أو يحذر سواه. وفي الشعر خاصة والإبداع عامة يتجسم الخطر ويغدو معطلا للقراءة الحرة ويقمع خيال المبدع ويحد من طاقته. أما إثارة هذه الممارسة الاستبدادية والقمعية باسم المقدس أو الأخلاقي أو الاجتماعي تعني إنطاق الدين والأخلاق والجماعة بما لا يراد منها كمؤسسات هدفها خدمة حياة البشر والارتقاء بها. وخطورتها في ظني أنها تلغي فضاء الحرية أولا، وتعطل الجدل والتفكير في النفس البشرية، وتشيع ثقافة الموت بسبب الرأي".

لكن الصكر يقول ان "ليس ما سبق دعوة لمصادرة مقابِلةٍ أو منفعلة للآخر، فإنني لا أجد في التعريض بالمعتقدات مثلا ممارسة للحرية. على العكس فهي مصادرة أيضا لحق الآخر في التفكير والرأي. ولكن لا أجد منطقا أو جدوى في تعقب النصوص بهذه الطريقة التي تذكّر بحكم الكنيسة في القرون الوسطى ودخولها في تفاصيل العلم وإعدام العلماء وتحريم الطب والفلسفة".

ويتابع "كما ان كثيرا منها قائم على الشبهات والتفسيرات الأحادية، وبهذا يكون ضررها عقليا قبل أن يكون ممارسة جسدية، بل هو يعضد تلك الممارسات الجرمية ويوجد لها غطاء نظريا، أي أن التكفير يشرّع العنف، ويغدو ظهيرا لظاهرة الاعتداء على الآخر لمجرد الظن في اختلافه أو خلافه مع الذات- هذا ما يجسده مثلا قتل السياح في عدد من العواصم العربية".

ويضيف "لا شك أن تعميم التكفير في فضاءات المدارس ودور العبادة والمنابر الثقافية هي أشد خطرا منها في المجالات المحدودة، لذا أجد إشاعتها عبر تلك الأمكنة مخالفة لدورها المفترض في التربية الخلقية والفكرية، وتضر بعقل الفرد الذي سيمتد ويتمدد نطاق التكفير لديه، فينساق على وفق منطقها لتكفير الآخر احتكاما لهويته كما يحصل في حالات الفوضى وانعدام الموازين".

يتساءل الشاعر جمال القصاص من يكفر من؟! قائلا "لن يطارد الشعراء سوى الشعراء أنفسهم، ولن يصادر قصائدهم، أو يكفرهم سواهم أيضا، فلا أحد يستطيع أن يكمم أفواه شاعر، أو يقصف قلمه، مهما كانت إدعاءات المرتجفين والمشعوذين باسم الحماية المقدسة، دينية كانت أو جنسية أو سياسية".

ويقول ايضا "في عصر الإنترنت والفضاء الافتراضي، حيث تنتفي المسافة بين الأقنعة والوجوه، وتهوي إلى القاع الفواصل والعقد الزمنية السميكة، تتعزز هذه الحقيقة، وتصبح ملاحقة الشعراء ضربا من الوهم الساذج".

ويتساءل أيضا "ماذا يعني: هذا شاعر كافر باسم الدين أو باسم الجنس أو السياسة أو حتى الحب، يعني في حقيقة الأمر أنه لا دين ولا سياسة ولا جنس ولا حب ما دامت كل هذه الكائنات قد وصلت إلى هذه الدرجة من الهشاشة والعتمة والتخبط، ووقفت على حافة يتساوى فيها الوجود والعدم، وأصبحت تتوكأ على عصا الوصاية وتتمسح بظلها كعجوز اخترمه سوس العته والشيخوخة".

ويضيف الى تساؤلاته "ثم كيف يتطور الوعي والفهم والإدراك لكل هذه القيم والعناصر وغيرها، كيف تتجدَّد مياه الحب أو الجنس أو الدين أو السياسة أو الشعر، من دون لحظة جنون، تكسر رتابة عاديتها ونمطيتها وتجترح ثوابتها وحيادها الزائف، لا لتصل هذه العناصر إلى ذروة نشوتها وتحققها الأعمق والأعلى والأرقى فحسب، وإنما لتجدِّد دماءها وشرايينها، وتجلو عنها صدأ الأيام والسنين. فلا حب إذن، لا جنس، لا دين، لا سياسة، بلا جنون.

ويقول القصاص ايضا ان "البديهي أن يقترن فعل الجنون بالقدرة على التفكيك والزعزعة، بل الإزاحة لأسوار وأقانيم البدايات والنهايات، ناهيك عن أنه جوهريا فعل ثورة، على الداخل والخارج معا، كما أنه فعل أخلاقي، يكرس لحياء فني أعمق وأبعد من العري المادي للعناصر والأشياء، حياء تنفلت فيه مملكة الحواس من مظانها ومظاهرها التقليدية، تحت حيوية الامتزاج والانصهار والتوحُّد للظاهر والباطن، للجسد والروح، للفوضى والنظام، للتشابه والتكرار، للصمت والفراغ. إنه فعل خلق، يحتفي بالنتوء والمهمّش والمبتور، ويعلو فيه إيقاع الشرخ، على لغة الاستقامة وما تستدعيه من تصالح زائف وهش بين شتى الرؤى والمتناقضات".

"إذن فمَن يصادر مَن، وهل نقيض الإيمان الكفر، أم الشك، فيما أرى، وفيما يراه الآخرون، ثم كيف تتقاطع النقطتان، من دون لحظة انفلات عن السائد والدَّارج والمألوف"؟

ويؤكد القصاص أن قدر الشاعر الحقيقي قصيدته، قائلا "حين يجلس في فراغها يمتلك يقين الشك والإيمان معا، وحين يتركها خلف ظهره يمتلئ هذا الفراغ بنفايات من المشعوذين وأصحاب العاهات الفكرية والعقائدية.. فيا أيها الشاعر الحق، يا أيها الشعراء ابنوا لأرواحكم قبورا جديدة، وانتظروا لحظة جنون ينتحر فيها الموت".

ويرى الشاعر حمدي عابدين أن أحد أهم أسباب تردي أوضاع الشعر والشعراء في مصر وحصارهم الدائم، واستباحتهم من القاصي والداني، وانتشار دعاوى تكفيرهم وتكفير إبداعاتهم، تردي الدور القيادي الإبداعي لمصر أولا نتيجة تداعيات كثيرة ومتشابكة، منها بالطبع ضعف المثقفين والمبدعين أنفسهم وتواطؤهم في كثير من الأحيان، بل ومشاركتهم في إشعال حروب كان ينبغي أن يتجنبوها، أو يواجهوها بوصفهم مبدعين، لا بوصفهم ظلاميين أو وهابيين.

ويقول عابدين "إن الأمر لم يتوقف عند حدود صراع مفكرين ومبدعين يعيشون فوق رقعة جغرافية واحدة، بل تجاوزها الى تدخل أطراف لا علاقة لها بنا، ولا لها من تاريخ في الإبداع الإنساني مثلنا، وهو بالطبع ما يشير الى تغلغل ثقافات غريبة عن بلادنا، تحاول أن تهيمن على البؤر الحية في بلادنا لتجفف منابعها، وهو بالتأكيد له مغزى كبير".

ويتابع "يرتكز (هذا المغزى) في أن الصراع الذي يدور في ساقيته المبدعون والمفكرون المصريون له منابع خارجية أساسية، كما أن له منابع داخلية نمت عبر سنوات طويلة في تربة تهمش دور الإبداع ولا ترى له أهميته في مسيرة التنمية التي لا يسعى لها أحد الآن".

ويقول ايضا "نحن والحال هكذا لن يتوقف بعضنا بعضا عن تكفير من يخالفه، كما إننا لن نستطيع ردا للرياح التي تأتينا عبر الصحراء، انطلاقا من العوز والرياء والانسحاق والرغبة المتولدة طوال الوقت لدى كل فقير لا يرى في نفسه غنى عن الناس، ولأنه يريد طول الوقت سواء كان صحافيا أو مبدعا أن يقول لأولياء نعمته من الصحراويين إنه جدير بنعمهم، سوف يظل يمالئهم وينسحق تجاه كل تفاصيل الحياة لديهم، وعندما يعود سوف يرى بعيونهم ويبث الكثير من معارك النفي والتكفير بالوكالة ونيابة عنهم".

ويختم عابدين "وعلى هذا لا حلول في المدى القريب ولا البعيد إلا بأن تكون لدينا دولة مدنية ديموقراطية بحق، تدع ما لقيصر لقيصر، وما للسماء للسماء، ويكون لقوانينها فقط سلطة تنظيم أمور الناس، الذين بالضرورة يجب أن يراهم القانون متساوون في كامل الحقوق والواجبات، فلا يعطي لأحد حق تكفير غيره ولا اغتصاب وظيفة يجب أن تكون فرص الحصول عليها متساوية فيما بين الناس".
طباعة شاملةطباعة مبسطة


اعلى