أدعموا الفصائل ولا تشككوا بخطواتها
في عام 2014 يوم سقطت مدينة الموصل بيد الإرهاب، ولحقتها صلاح الدين والأنبار، وكان تنظيم داعش على أبواب بغداد، كنا ننتظر جميعنا مصيرنا المحتوم، خاصة بعد ظهور البغدادي وإلقاء خطبته الشهيرة في جامع النوري بمدينة الحدباء.
لكن الفصائل المسلحة ظهرت وتشكلت سريعاً لتتصدى لأعتى تنظيم إرهابي عاث في الأرض فساداً.
واليوم وبعد استقرار العراق تأتي الخطوات الأخيرة التي أعلنت عنها الفصائل المسلحة باتجاه تسليم سلاحها إلى الدولة لتمثل محطة مفصلية في تاريخ العراق الحديث، لما تحمله من دلالات سياسية وأمنية مهمة يمكن أن تسهم في تعزيز مشروع الدولة وترسيخ مبدأ سيادة القانون.
ولا تقتصر أهمية خطوة الفصائل على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد لتشمل جوانب أخرى وأهمها تحسين الواقع الاقتصادي للبلد، في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه العراق.
فالخطوة التي بدأها السيد مقتدى الصدر، وعززها الشيخ قيس الخزعلي، هي البداية الحقيقية لدعم الحكومة برئاسة علي الزيدي، والذي تلقت حكومته دعماً محلياً ودولياً لا يمكن تجاهله، لكنه يحتاج لخطوات داخلية تعزز هذا الدعم وتحقق النجاح الذي فشلت في تحقيقه الحكومات السابقة.
وبعد عام 2014 أفرز التحدي الأمني واقعاً جديداً أدى لظهور تشكيلات مسلحة أدت أدواراً مهمة في مواجهة تلك التحديات، وحيث لايمكن نكران جهود تلك الفصائل التي وقفت مع الدولة وحمتها من السقوط، لايمكن اليوم نكران جهودها وهي تدعم سيادة الدولة وتعزز استقرارها وقوتها.
ورغم أهمية هذه الخطوة وما يمكن أن تحققه من نتائج إيجابية على صعيد الاستقرار السياسي والأمني، فإن بعض الأصوات التي تخرج على وسائل الإعلام أو تكتب في منصات التواصل الاجتماعي، ما زالت تنظر إليها من زوايا ضيقة، وتتعامل معها بوصفها استجابة لضغوط أميركية، أو نتيجة لمتغيرات إقليمية ودولية، خاصة بعد الحرب الأخيرة على إيران، أو تخلي عن مشروع المقاومة، غير أن المعيار الأهم في مثل هذه القضايا يبقى مرتبطاً بالمصلحة الوطنية العليا، فكل إجراء يعزز سلطة الدولة ويقوي مؤسساتها يجب أن يحظى بالدعم والتشجيع بعيداً عن الحسابات السياسية الآنية.
إن التجارب المريرة التي عاشها العراق خلال السنوات السابقة أثبتت أن نجاح الحكومة يرتبط بوجود مؤسسة أمنية موحدة وقرار سيادي واحد، إذ لا يمكن تحقيق التنمية والاستقرار في ظل تعدد مراكز القوة أو استمرار السلاح خارج الأطر الرسمية، ومن هنا تبرز أهمية أي خطوة تسهم في إنهاء هذه الإشكالية التاريخية التي ألقت بظلالها على المشهد العراقي لسنوات طويلة.
فحكومة الزيدي تقف اليوم أمام فرصة مهمة لتعزيز مشروع الدولة وترسيخ ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والخدمية والأمنية التي تتطلب وجود دولة قوية وقادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه، ويُنتظر أن يسهم تنظيم الملف الأمني وحصر السلاح بيد الدولة في توفير بيئة أكثر استقراراً تساعد على جذب الاستثمارات وتحريك عجلة التنمية وتحسين الواقع الخدمي، فكلما كانت الدولة وأجهزتها قوية، زادت ثقة المستثمر الأجنبي والمالي، وهذا أمر بالغ في الأهمية.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الخطوة باعتبارها انتصاراً لطرف على آخر أو تراجعاً لهذا الطرف أو ذاك، بل باعتبارها انتقالاً طبيعياً نحو مرحلة أكثر نضجاً، فالمصلحة الوطنية تقتضي أن تتقدم الاعتبارات العامة على المصالح الحزبية والفئوية، وأن يكون الهدف النهائي هو بناء دولة قوية قادرة على حماية مواطنيها وصيانة سيادتها.
ومن هنا يأتي دور الإعلام بكل أشكاله والذي يكتسب دوراً أساسياً في دعم الخطوات التي تعزز الاستقرار وتدفع باتجاه ترسيخ سلطة القانون، ومنها خطوة حصر السلاح بيد الدولة، من خلال تبني خطاب مسؤول يبتعد عن التخوين والتشكيك ويركز على ما يجمع العراقيين.
إن مرحلة بناء الدولة التي أعلن عنها السيد الزيدي خلال خطابه يوم نيل حكومته للثقة لا يتحقق بقرارات منفردة أو إجراءات آنية، بل هو عملية متواصلة تتطلب تضافر الجهود السياسية والمجتمعية والإعلامية، ومع ذلك، فإن الخطوات الجادة باتجاه حصر السلاح بيد الدولة تبقى من أبرز المؤشرات على السير في الطريق الصحيح، لأنها تعيد الاعتبار للمؤسسات الرسمية وتمنح المواطن مزيداً من الثقة بقدرة الدولة على أداء دورها في حماية الجميع دون استثناء.
وإذا ما استمرت هذه المسارات بدعم وطني واسع وإرادة سياسية واضحة، فإن العراق سيكون أمام فرصة حقيقية لفتح صفحة جديدة عنوانها الاستقرار، وتعزيز مكانة الدولة بوصفها المظلة الجامعة لجميع أبنائها.