أربيل تتجه لـ"تدويل" هجوم كورمور في إنذار حازم لبغداد
أربيل/واشنطن - يمثل الهجوم الذي استهدف حقل كورمور الغازي في السليمانية فجر الخميس محطة مفصلية في مسار الأمن العراقي والكردستاني، لكنه وللمرة الأولى بهذا الوضوح، دفع حكومة إقليم كردستان إلى تحريك ملف الهجوم نحو التدويل، بعد أن اعتبرت أن البنية التحتية للطاقة باتت هدفاً لهجمات ممنهجة، وأن بغداد لم تتخذ الإجراءات اللازمة لردع الجهات المتورطة رغم وضوحها.
وهذه ليست المرة الأولى التي تتعرض لها منشآت حيوية في الإقليم لهجمات صاروخية او بطائرات مسيرة، فيما لم تحرك الحكومة المركزية في بغداد ساكنا باستثناء اصدار بيانات شجب وتنديد وتشكيل لجنة تحقيق عادة ما ينتهي عملها الى لا شيء.
وتكشف تلك البيانات البهاتة التي يراها مراقبون مجرد تسجيل موقف او رفع عتب، عجز الحكومة الاتحادية عن كبح الاعتداءات المتكررة رغم علمها بالجهات التي تنفذها وهي اعتداءات معلومة الأهداف كالضغط على حكومة الإقليم لحسابات سياسية أو اضعافها ووضعها في حرج داخلي أو جعلها تحت وطأة ضغوط اقتصادية ومالية.
واستدعى التحرك الكردستاني دخولاً سريعاً لواشنطن ولندن والاتحاد الأوروبي على الخط لقناعة بخطورة ما يتعرض له الإقليم من عدوان من قبل ميليشيات معلومة عجزت السلطة المركزية في بغداد عن كبحها وهي معضلة يفترض أن يتم معالجتها سريعا، ما رفع مستوى الحدث من "اعتداء محلي" إلى "قضية أمن دولي" ترتبط بحماية الاستثمارات والطاقة واستقرار المنطقة.
ومنذ الساعات الأولى، أصدرت دائرة العلاقات الخارجية في حكومة الإقليم بياناً شديد اللهجة، لم يكتفِ بالإدانة، بل دعا المجتمع الدولي إلى الضغط على بغداد لمنع تكرار استهداف البنى التحتية الحيوية.
وقد أكدت أن الهجوم الأخير أدى إلى إيقاف الحقل بالكامل، وانخفاض كبير في إنتاج الكهرباء، وحرمان ملايين المواطنين في كردستان ومناطق عراقية أخرى من الطاقة.
البيان لمّح صراحة إلى أن الجهات التي تقف خلف الهجمات معروفة، لكنه تحدث عن غياب أي إجراءات رادعة خلال السنوات الماضية، في إشارة إلى الميليشيات المسلحة التي تعمل خارج سلطة الدولة.
ومع هذا التصعيد، طالب الإقليم المجتمع الدولي بدعم حصوله على منظومة دفاع جوي لحماية منشآت الطاقة، في خطوة تعكس انتقال الملف من إطار المطالب الأمنية المحلية إلى خطاب دولي يستند إلى حماية "مصالح المجتمع الدولي" في الإقليم.
ولم يتأخر الرد الأوروبي، إذ أصدر الاتحاد الأوروبي بياناً عبّر فيه عن "قلق بالغ" من الهجوم، مؤكداً أنه استهدف بنية تحتية طاقية مدنية، وأن تداعياته تمسّ جميع المواطنين في العراق. وأكد الاتحاد أن التعاون مع بغداد وأربيل سيستمر لتعزيز الاستقرار والإصلاحات، ما يشير إلى أن بروكسل باتت ترى في استهداف منشآت الغاز تهديداً لأمن الطاقة الإقليمي، وليس مجرد حادث محلي.
من زاوية التحليل السياسي، فإن دخول الاتحاد الأوروبي بهذه السرعة يعكس حجم المصالح الأوروبية في قطاع الطاقة داخل الإقليم، ولا سيما في مشروع كورمور الذي يعد أكبر حقول الغاز في العراق، وتشارك في تشغيله شركات عالمية.
والتحرك الأميركي كان الأكثر وضوحاً، سواء عبر الاتصال الهاتفي بين القائم بالأعمال الأميركي جوشوا هاريس ورئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، أو عبر بيان مبعوث الرئيس الأميركي مارك سافايا الذي ذهب أبعد بكثير في التوصيف والمسؤولية.
وقال سافايا "مجموعات مسلحة تعمل بشكل غير قانوني وأجندات خارجية معادية نفذت الهجوم". وهذا التصريح يمثل أول إشارة أميركية صريحة إلى أن الفاعلين ينتمون إلى الفصائل المسلحة المرتبطة بالخارج، ما يضع الهجوم في إطار الصراع الأميركي–الإيراني على الأرض العراقية.
وأكد سافايا أن الولايات المتحدة ستتعقب جميع الجماعات غير الشرعية وداعميها، وأنه "لا مكان لمثل هذه الجماعات في عراق ذي سيادة كاملة". كما شدد على دعم أميركا لوجود "كردستان قوية ضمن عراق موحد ومستقر"، وهي عبارة سياسية مهمة تعكس رؤية الإدارة الأميركية الحالية لبنية الدولة العراقية وتوازناتها.
وأدان السفير البريطاني صديق الهجوم بدوره، مؤكدا أن الاعتداءات على المنشآت الحيوية تهدد استقرار العراق وسلامة شعبه، داعياً إلى محاسبة المسؤولين. ويتناغم الموقف البريطاني مع المواقف الأميركية والأوروبية، لكن دلالته تكمن في أن لندن باتت تتعامل مع الهجمات على الطاقة في كردستان باعتبارها تهديداً مباشراً للاستثمارات البريطانية في العراق، وللاستقرار العام في المنطقة.
ووصف رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني الهجوم بأنه اعتداء يستهدف البنية الاقتصادية للعراق كله، وليس الإقليم فقط. ودعا بغداد إلى اتخاذ إجراءات فعالة لمعاقبة الفاعلين ومنع تكرار الاعتداءات، ما يشير إلى أن أربيل تعتبر تكرار الهجمات نتيجة مباشرة لعدم قدرة الدولة الاتحادية على فرض سيادتها على جميع الفصائل المسلحة.
أما رئيس الحكومة مسرور بارزاني فناقش مع الجانب الأميركي ضرورة تعزيز الإجراءات الوقائية، في إشارة إلى أن الإقليم يتجه نحو تطوير شراكات أمنية دولية أوسع لحماية منشآت الطاقة.
ومع تصاعد الضغوط الدولية، تحركت بغداد سريعا، فقد اعتبر رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني الاعتداء "هجوماً على العراق بأكمله"، وأعلن تشكيل لجنة تحقيق عليا برئاسة وزير الداخلية، وعضوية جهاز المخابرات ووزارة الداخلية في الإقليم، وبمشاركة من التحالف الدولي.
وعقد السوداني اجتماعاً طارئاً ضم وزيري الدفاع والداخلية ورؤساء الأجهزة الأمنية، في محاولة لإظهار جدية الحكومة تجاه القوى الدولية، وإثبات أنها تتعامل مع الهجوم كتهديد للأمن الوطني وليس مجرد استهداف موضعي.
لكن كل هذه الإجراءات تبقى تسكينية ومحاولة لاحتواء الأزمة من دون أن ترافقها إجراءات عملية وحازمة تكبح الميليشيات المنفلتة وسلاحها الذي بات يهدد ليس أمن إقليم كردستان وحده بل أيضا أمن العراق كله.
ويأتي الهجوم في وقت يشهد فيه العراق صراع نفوذ محتدم بين الدولة والفصائل المسلحة، وبين بغداد وأربيل حول إدارة الموارد، وبين القوى الإقليمية والدولية على مستقبل قطاع الطاقة العراقي. ويمثل حقل كورمور تحديدا أهمية استراتيجية، فهو أكبر مشروع غازي في البلاد، ويغذي معظم محطات الكهرباء في الإقليم.
ويشير توقيت الهجوم، بعد تزايد الحديث عن استثمارات غربية جديدة في قطاع الغاز الكردستاني، إلى أن الرسالة ليست محلية فقط، بل موجهة ضد توسّع الشراكات الدولية في الإقليم، وضد مشاريع الطاقة التي تُعدّها بعض القوى تهديداً لنفوذها.
ويمكن القول إن هجوم كورمور فتح فصلا جديداً في إدارة الأمن داخل العراق، حيث تحول من ملف داخلي إلى قضية دولية واضحة المعالم. وانخراط واشنطن وبريطانيا والاتحاد الأوروبي بهذه القوة يعكس إدراكاً بأن استقرار شمال العراق هو جزء من أمن الطاقة في المنطقة، وأن بقاء الهجمات دون رد سيعني تهديداً مباشراً للمصالح الغربية.
كما أنه وضع بغداد أمام اختبار صعب: إما إثبات قدرتها على ضبط الفصائل وحماية منشآت الطاقة، أو مواجهة تصاعد الضغوط الدولية وربما تغيرات في هيكل العلاقة بينها وبين أربيل.
وفي كل الأحوال، يبدو أن هجوم كورمور لن يكون حادثة عابرة، بل نقطة تحول سترسم ملامح المرحلة المقبلة في العراق والإقليم.