'أرواح غيوانية' في ثوب جديد
الرباط ـ في ساحة المارشال، مساء الثاني والعشرين من مايو 2026، أشعلت أصوات نسائية جمرة تراث ظلّ لعقود حكراً على الرجال، فلم يكن ما جرى في ساحة المارشال بالدار البيضاء مجرد حفل موسيقي. كان إعلانا رمزيا بأن الغيوانيات، ذلك الفن الذي وُلد في زواريب الحي المحمدي قبل أكثر من نصف قرن، لا يزال يملك قدرة على إعادة اختراع نفسه.
افتُتحت الدورة الثالثة لمهرجان 'أرواح غيوانية' تحت شعار 'الأصوات النسائية في قلب التجربة الغيوانية'، وهو شعار لا يخلو من دلالة سياسية وثقافية عميقة، في مشهد فني اتّسم تاريخيا بهيمنة ذكورية راسخة.
وفي سبعينيات القرن الماضي، حين اجتمع شباب من أحياء البيضاء الشعبية أمثال العربي باطمة وبوجميع وعمر السيد، لم يكونوا يؤسسون 'صناعة ثقافية'، بل كانت أغانيهم ردّ فعل عفوياً على واقع اجتماعي مثقل بالفقر والتهميش، وبديلا شعبيا أصيلا عن الأغنية المشرقية التي لم تكن تعكس نبض الشارع المغربي.
والتقت هذه المواهب بالمسرحي الطيب الصديقي الذي أدرك مبكراً أن ما يحمله هؤلاء الشباب ليس مجرد موهبة غنائية، بل مشروع ثقافي قادر على أن يتجاوز المسرح إلى الساحات العامة. فكانت ناس الغيوان، ثم جيل جيلالة ذات الطابع المراكشي وتأثرها بالملحون، وتكادة التي أدخلت آلة الكمان إلى الأغنية الشعبية، ومسناوة بأسلوبها المميز الجامع بين البانجو والبزق. لاحقا، جاءت المشاهب والسهام ولرصاد لتؤكد أن الظاهرة الغيوانية تيار متجدد لا موجة عابرة.
ويصف الناقد محمد همام هذا الفن بأنه "حالة وجدانية تتشابك فيها المعاناة بالأمل، والذاكرة الجماعية بالبحث عن الحرية"، مضيفاً أنه "شكل يتداخل فيه ما هو نفسي وما هو مقامي، وما هو فردي وما هو جماعي". وهذا التداخل تحديداً هو ما جعل الغيوانيات ظاهرة ثقافية بامتياز، لا مجرد نمط موسيقي.
وكانت المرأة حاضرة في هوامش الظاهرة الغيوانية منذ بداياتها، وإن ظلّ حضورها خافتا أمام صخب الأصوات الرجالية، فأسماء كالفنانة بهيجة إدريس حفرت طريقها بصعوبة في مجال لم يكن مُهيَّأً لاستقبالها. اليوم، يأتي المهرجان ليُعيد رسم هذه المعادلة بشكل صريح.
في السهرة الافتتاحية، قدّمت الفنانة الكناوية الشابة هند النعيرة وصلات موسيقية مزجت بين الإيقاعات الكناوية والتراث الغيواني، في حين تردّد صدى أغاني ناس الغيوان على لسان أصوات نسائية جيل 2026. وتشمل قائمة المشاركين أسماء من وزن سناء مرحاتي ونبيلة معن ودنيا بطمة، إلى جانب تكريم رائدات في مقدمتهن سعيدة بيروك.
ويرى عمر السيد، أحد أيقونات ناس الغيوان، أن "الحضور النسائي يضفي نغمة خاصة على الريبرتوار الغيواني". وهو اعتراف من داخل الحلقة بأن هذا التراث لا يكتمل إلا حين يستوعب كل الأصوات، لا حين يحتكره طرف واحد.
الجديد في هذه الدورة لا يقتصر على تأنيث المشهد، بل يمتد إلى طريقة تقديم التراث ذاته، فأغاني الريبرتوار الغيواني أُعيد توزيعها بأسلوب سمفوني، يؤديها أكثر من ستين موسيقيا بقيادة المايسترو رشيد الركراكي، في مزيج يُثير في الآن ذاته الإعجاب والتساؤل.
ويطفو هنا السؤال الجوهري الذي يُقلق بعض المراقبين: هل إخراج الغيوانيات من لباس البانجو والبندير لإلباسها الكمان والتشيلو يُثريها أم يُجرّدها من هويتها؟ فهذا الفن الذي وُلد أصلا كتعبير عن المعاناة الشعبية ينتهي اليوم داخل احتفال تنظمه وزارة الثقافة بشراكة مع مجلس الجهة، ضمن برنامج يخدم أهدافاً تنموية وسياحية تمتد حتى 2027.
ليس هذا نقدا لمسعى حماية التراث، بل تنبيه إلى مخاطر تحويل فن ولد من المقاومة إلى فلكلور للفرجة. الفرق شاسع بين فن يحكي عن الناس وفن يُعرَض أمامهم.
وعلى امتداد الأيام المقبلة، ستنتقل فعاليات المهرجان إلى مديونة في الخامس والسادس من يونيو/حزيران، ثم إلى فضاء 'القبطانية' بأزمور في الثاني عشر والثالث عشر من الشهر ذاته، وهيثلاث محطات تجسّد ثلاثة أوجه للغيوانيات: المدينة الكبرى، والضاحية الشعبية، والمدينة العتيقة.
ما يطرحه مهرجان 'أرواح غيوانية' هو سؤال أبعد من الفن: كيف يحافظ تراث وُلد من رحم المعاناة على روحه حين تتبنّاه المؤسسة وتُلمّعه الاحتفالية؟ ربما يكمن الجواب في قدرة هذا الفن على التجدد دون أن يفقد بوصلته الأصلية، وفي قدرة الأصوات النسائية الجديدة على ألا تكتفي بإعادة الأغاني، بل على أن تنقل ما كان يجعل تلك الأغاني تستحق الغناء.