أزمة مياه تهدد الأمن الاجتماعي والاقتصادي لإيران
طهران – تتوجس السلطات الإيرانية من تداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة لأزمة حادة في المياه آخذة في التفاقم نتيجة الجفاف وبفعل سوء إدارة هذا الملف وسياسات لم تنجح في معالجة الأزمة على الرغم من مشاريع واعدة كانت قد أطلقتها طهران ضمن جهود احتواء تراجع المناسيب بفعل التغيرات المناخية.
وحثّت السلطات الإيرانية المواطنين على تقليل استهلاكهم للمياه في ظل موجة الحر المستمرة، حسب ما نقلت وسائل إعلام رسمية الأحد.
وإيران بلد قليل الأمطار ويواجه الجفاف بانتظام، لا سيما في محافظاته الجنوبية. كما تشهد البلاد أشد أسابيع السنة حرارة، مع تجاوزها محليا 50 درجة، وفق الأرصاد الجوية الوطنية.
وقالت شركة إدارة المياه في محافظة طهران في بيان نشرته وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية الرسمية (إرنا) إن "احتياطيات السدود التي تزود طهران بالمياه وصلت حاليا إلى أدنى مستوى لها منذ قرن".
وقال رئيس مجلس بلدية طهران مهدي تشمران الأحد إن "الناس يجب أن يوفروا المياه لتجنب انخفاض الضغط"، بحسب وكالة أنباء الطلبة الإيرانية (إسنا).
وتتفاقم أزمة المياه في إيران بشكل مطرد وتطرق أبواب العديد من المدن والمحافظات، مهددة الأمن الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. ولم تعد المشكلة مجرد نقص في الأمطار أو جفاف موسمي، بل تحولت إلى أزمة هيكلية عميقة ناتجة عن مزيج من العوامل الطبيعية والبشرية.
وتقع الجمهورية الاسلامية ضمن الحزام الجاف وشبه الجاف عالميا، ما يجعلها عرضة بشكل طبيعي للجفاف وقد شهدت في السنوات الأخيرة نقصاً حاداً في معدلات هطول الأمطار وارتفاعاً في درجات الحرارة، مما أدى إلى تبخر أسرع للمياه وجفاف الأنهار الجليدية.
وأكد وزير الطاقة الإيراني عباس علي آبادي، أن البلاد تواجه خمس سنوات متتالية من الجفاف. واعتذر الأحد عن الانقطاعات، قائلا إن خفض تدفق المياه يهدف إلى "إدارة أفضل للموارد".
وسجلت البلاد انخفاضا في مستويات تخزين المياه في السدود بشكل كبير، فبعضها لا يحتوي إلا على نسبة ضئيلة من سعته الإجمالية.
كما دعت شركة إدارة المياه في طهران السكان إلى خفض استهلاكهم بنسبة "20 في المئة على الأقل" لتخفيف الأزمة، بينما أعلنت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني في منشور على منصة إكس أن الأربعاء سيكون يوم عطلة رسمية في محافظة طهران بسبب موجة الحر المستمرة.
وقالت إنه "في ضوء استمرار الحرارة الشديدة والحاجة إلى الحفاظ على المياه والكهرباء، تم إعلان يوم الأربعاء عطلة رسمية في محافظة طهران".
من المتوقع أن تصل الحرارة في طهران إلى 40 درجة مئوية الأحد و41 الاثنين، وفق الأرصاد الجوية. ومن المتوقع أيضا أن تتجاوز الحرارة في بعض المناطق الجنوبية من البلاد 50 درجة مئوية في الأيام المقبلة.
وفي الأيام الأخيرة، حثتّ السلطات المواطنين على تقليل الاستهلاك في عدد من المحافظات الأخرى، من بينها فارس (جنوب)، وخراسان رضوي (شمال غرب)، وخوزستان (جنوب غرب)، وأذربيجان الغربية (شمال غرب).
ولأزمة المياه في إيران تداعيات خطيرة على عدة مستويات، فقد تسببت في اندلاع احتجاجات شعبية في عدة مدن ومحافظات، مثل خوزستان وأصفهان، بسبب نقص المياه وسوء الإدارة وقد تخللتها اشتباكات وعنف، ما يشير إلى زيادة التوترات الداخلية والاضطرابات الاجتماعية وتدهور شرعية النظام في نظر الإيرانيين.
ومن التداعيات أيضا زيادة موجات الهجرة من الأرياف إلى المدن، حيث تشير بعض الأرقام إلى أن 64 في المئة من موجة الهجرة بين عامي 2010 و2018 كانت نتيجة شح المياه.
وللأزمة تأثير مباشر على مياه الشرب، حيث تواجه 52 مدينة في 29 محافظة حالة "توتر مائي شديد"، مع انقطاعات طويلة للمياه وانخفاض في ضغطها.
أما اقتصاديا، فإن نقص المياه يدفع إلى تدهور الأراضي الزراعية وتراجع الإنتاج الغذائي، مما يهدد الأمن الغذائي للبلاد. كما يمكن أن يكون للأزمة تأثير سلبي على القطاعات الصناعية التي تعتمد على المياه.
وتعلن الحكومة الإيرانية عن جهود لمواجهة الأزمة، ولكن يرى الخبراء أنها غير كافية أو تفتقر إلى استراتيجية شاملة. وأعلنت وزارة الطاقة عن أولوية لبرامج إدارة الاستهلاك وإعادة تدوير المياه.
واستمرت سياسة بناء السدود العملاقة ومشاريع نقل المياه بين الأقاليم والتي يرى كثيرون أنها حلول مكلفة وغير مستدامة وهناك دعوات لدمج تدابير التكيف مع تغير المناخ في استراتيجيات إدارة المياه والحاجة الملحة لتغيير أنماط الري التقليدية وتشجيع التقنيات الموفرة للمياه.
ورغم الجهود، لا تزال إيران تواجه تحديات كبيرة في تحقيق إدارة مستدامة للموارد المائية، خاصة في ظل استمرار الجفاف وتجاهل بعض العوامل الهيكلية للأزمة، مما ينذر بمستقبل أكثر صعوبة إذا لم تتخذ إجراءات جذرية وشاملة.
وأفادت صحيفة "جوان" المحافظة الأحد بوجود "انقطاعات متكررة ولفترات طويلة للمياه" في محافظتي طهران والبرز غرب العاصمة.
وأشارت الصحيفة إلى أن "انخفاض الضغط يؤدي إلى انقطاع المياه لمدة تتراوح ما بين 12 إلى 18 ساعة، وهو أمر يصعب على الأسر تحمله خلال أيام الصيف الحارة".
وتعتبر العديد من التقارير والخبراء أن سوء إدارة الموارد المائية لعقود طويلة هو السبب الرئيسي للأزمة، وليس فقط العوامل المناخية.
وشهدت إيران نموا سكانيا كبيرا لم يواكبه تطوير عقلاني للبنية التحتية المائية، ما أدى إلى استنزاف الأحواض المائية وتجفيف الأنهار، فيما يستهلك القطاع الزراعي الذي يعتمد على أنماط ري تقليدية غير فعالة، قرابة 90 في المئة من إجمالي المياه.
وبلغ الاستخراج غير القانوني للمياه الجوفية مستويات قياسية، مما أدى إلى انخفاض مقلق في منسوب المياه الجوفية وظاهرة الهبوط الأرضي، خاصة في طهران التي تشهد هبوطاً بمعدل 31 سنتيمترا سنوياً
واعتمدت السياسات على مشاريع مكلفة بيئيا وماليا لنقل المياه بين الأقاليم، مثل نقل مياه بحر قزوين، والتي أثبتت فشلها في معالجة جذور المشكلة وأدت إلى توترات اجتماعية بين المناطق.
والعديد من المدن تعاني من بنية تحتية قديمة لتوزيع المياه، ما يؤدي إلى فاقد كبير، في حين يرى بعض المحللين أن الفساد يلعب دورا في تفاقم الأزمة من خلال تغليب مصالح معينة على التخطيط العقلاني وإدارة الموارد.