'أم الدنيا' رسالة حب عراقية توثق حضارة مصر ورموزها بلسان الطفولة
يأتي ديوان ''أم الدنيا'' للكاتب العراقي جليل خزعل بوصفه عملا شعرياً موجهاً للأطفال يحتفي بمصر وتاريخها وجغرافيتها ورموزها الحضارية، عبر قصائد قصيرة تعتمد اللغة السهلة والإيقاع الواضح والصور القريبة من عالم الطفل الديوان صادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب متضمناً مجموعة من النصوص التي تتخذ من الوطن محوراً أساسياً لها.
ينطلق الكتاب من رؤية تربوية تسعى إلى غرس الانتماء الوطني في وجدان الطفل. فالشاعر لا يقدم مصر باعتبارها مساحة جغرافية فحسب بل باعتبارها كياناً عاطفياً وحضارياً يستحق الحب والفخر. ويتجلى ذلك منذ القصيدة الأولى ''أحلى البلاد'' التي تخاطب مصر بوصفها "أم الجميع" وموطن الأمان والمحبة.
يفتتح الشاعر الديوان بقصيدة ''أحلى البلاد'' التي تؤسس للرؤية العامة للعمل كله فمصر هنا ليست مجرد مكان، وإنما أمٌّ حاضنة للجميع:
"لك أنشدنا (بلادي )
وسكنت في الفؤاد
مصرُ يا أمَّ الجميع
عشتِ يا أحلى البلاد
نيلك العذب كريم
سدك العالي عظيم
شعبك الحر ينادي
لك حُبي وودادي
مصر يا أم الفنون
أنت نور في العيون
أنت موال الحصاد
وربيع في الوادي
مصر يا أرض الكنانة
شعبك صان الأمانة
فاسمعي صوت المُنادي
نفتديك في الشداد"
يبدأ الشاعر من القلب قبل الجغرافيا ومن العاطفة قبل التاريخ ليجعل الانتماء الوطني شعوراً إنسانياً تلقائياً. كما أن النداء المباشر "يا أمَّ الجميع" يضفي على الوطن صفات الأمومة والاحتواء.
النيل.. شريان الحياة والذاكرة
تُعد قصيدة ''النيل'' من أجمل قصائد الديوان إذ يتحوّل النهر إلى رمز للحياة والخصب والتاريخ يقول الشاعر:
"نيلي فراتي
نيلي حياتي
هو أكبرُ من نهرٍ يجري
هو شاهد أحداث العصر
هو أحلام فوق خيال
وحكايات للأجيال
هو أنغام ومواويل
ما أعظمه هذا النيل
هنا لا يصبح النيل مجرد مجرى مائي، بل ذاكرة وطنية تحفظ التاريخ وتحمل أحلام المستقبل"
مصر بين التاريخ والأسطورة
في قصيدة ''أم الدنيا'' يستثمر الشاعر الرصيد الحضاري المصري، مقدماً مصر باعتبارها استثناءً تاريخياً يقول الشاعر:
''أمُّ الدنيا حقّاً مصر
فلها العزّةُ ولها النصر
سبع عجائب في التاريخ
وهى عجيبة هذا العصر
سر حير كل الدنيا
ما أعظمه هذا السر
بحر، نيل، أهرامات
أدب، فن ، وحضارات
سبع سنابل قمح خُضر
تزهو في كل الأوقات
حين أقول لمصر سلاما
ترقص في شفتي الكلمات
يخفق قلبي حُبا ولها
تلمع في عيني النجمات''
ويبدو واضحاً أن الشاعر يعتمد على تقنية التعداد الشعري وهي تقنية فعالة في شعر الأطفال لأنها تساعد على ترسيخ المعلومات في الذاكرة من خلال الإيقاع.
المكان بوصفه بطلا شعريا
من أبرز خصائص الديوان أن المكان يتحول إلى بطل رئيسي. فكل قصيدة تقريباً تدور حول موقع أو معلم مصري. ففي قصيدة الإسكندرية نقرأ:
''مدينةٌ مصريّة
جميلةٌ بحريّة
شاطئها الجميل
ليس له مثيل
البحر والشباك
والطير والأسماك
عروسة الشمال
رائعة الجمال
يزورها السواح
بالخير والأفراح
كثيرة المراسي
وحلوة الأماسي
مكتبة مشهورة
في أرضها المعمورة
الاحتفاء بالرموز الثقافية''
تكتسب قصيدة ''مصر المحروسة'' أهمية خاصة لأنها تربط الوطن بإبداع أبنائه، حيث يستحضر الشاعر أسماء من رموز الثقافة المصرية مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وأحمد شوقي ونجيب محفوظ وطه حسين وعباس محمود العقاد، فيقول:
"مصر المحروسة
قطعة بسبوسة
هى أحلى دار
وطن الأحرار
بيت الأحباب
فيها الأصحاب
أرض الابداع
كل الأنواع
هى أمُّ الفنِّ
أمُّ كلثوم
عبد الوهاب
أمُّ الكتّاب
شوقي، محفوظ، طه، العقاد
هى أحلى بلاد
وطن الأمجاد
مصر المحروسة
يا أحلى عروسة''
يُعدّ ''أم الدنيا'' كتاباً شعرياً وطنياً ناجحاً في مجال أدب الطفل استطاع أن يجمع بين الوظيفة التعليمية والمتعة الفنية وأن يقدم صورة مشرقة لمصر من خلال لغة سهلة وإيقاع محبب وصور قريبة من عالم الطفل. ويكمن أهم إنجازاته في تحويل الجغرافيا والتاريخ والثقافة المصرية إلى أناشيد شعرية بسيطة تسهم في بناء الوعي الوطني لدى الأجيال الجديدة.
يقدّم الديوان صورة شعرية مشرقة لمصر، تجمع بين الجمال الطبيعي والعمق الحضاري والبطولة الوطنية. وقد نجح الشاعر جليل خزعل في تحويل النيل والقاهرة والإسكندرية وسيناء والأقصر إلى شخصيات حية داخل وجدان الطفل ليصبح الديوان نشيداً للحب والانتماء ورسالة ثقافية تسعى إلى بناء وعي وطني مبكر من خلال لغة شعرية بسيطة وعذبة.
