أنقرة تضغط على دمشق لجرّها إلى مواجهة شاملة مع الأكراد
دمشق - بينما يلف الغموض مستقبل الشمال السوري، أطلق وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، تصريحات لافتة اليوم الخميس، تعكس تحولاً جوهرياً في المقاربة التركية. ففي الوقت الذي تعبر فيه أنقرة عن أملها في "حل سلمي"، فإنها تشرعن عملياً لجوء دمشق إلى "خيار القوة" ضد المقاتلين الأكراد، في خطوة يراها مراقبون إستراتيجية تركية ذكية تهدف لتطويع المشهد الميداني بأيدي السوريين أنفسهم، مع ممارسة ضغوط مركبة على الحكومة السورية للوفاء بالتزاماتها الأمنية.
وقال فيدان إن "استخدام الحكومة السورية للقوة ربما يكون خيارا مطروحا"، بعد اشتباكات مع مقاتلين أكراد وقعت في الآونة الأخيرة، مضيفا أن "على قوات سوريا الديمقراطية، ''قسد" التي يقودها الأكراد، إبداء حسن النية والخروج من دوامة العنف".
وتعتبر تركيا هذه القوات تنظيما إرهابيا متحالفا مع حزب العمال الكردستاني المحظور المنخرط معها حاليا في عملية سلام.
ويبدو أن عام 2026 يمثل "عام الحسم" بالنسبة لأنقرة في ملفها الأمني الجنوبي. فبعد سنوات من العمليات العسكرية المباشرة مثل "غصن الزيتون" و"نبع السلام"، تتجه تركيا الآن نحو استنزاف الخصم عبر الدولة من خلال التلويح بأن دمشق لها "الحق السيادي والدستوري" في ممارسة القوة، إذ تحاول أنقرة دفع الجيش السوري ليكون رأس الحربة في تفكيك مشروع "الإدارة الذاتية".
وتزامنت تصريحات فيدان مع مطالب أنقرة بضرورة نزع سلاح كافة الفصائل الكردية في الشمال، معتبرة أن "المماطلة" التي تنتهجها قوات سوريا الديمقراطية لم تعد مقبولة إقليمياً.
ولا يمكن عزل هذا التطور عن الواقع الميداني؛ حيث شهدت مدينة حلب في أوائل الشهر الحالي اشتباكات هي الأعنف بين الجيش السوري والمقاتلين الأكراد في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 23 شخصاً ونزوح أكثر من 150 ألف مدني، وأدت إلى إغلاق مطار حلب الدولي وتعطيل الحياة المدنية، مما منح أنقرة ذريعة لتصوير الأكراد كعامل "زعزعة استقرار" يعيق عودة الدولة السورية لممارسة سيادتها.
وتربط أنقرة ملف دعم دمشق بمدى جدية الأخيرة في تنفيذ اتفاق مارس/آذار الماضي الذي ينص على انسحاب قسد من غرب الفرات ودمج عناصرها في هيكلية الجيش السوري أو تفكيكها.
وعندما دعا الوزير التركي قسد للخروج من "دوامة العنف"، فإنه كان يضع الكرة في ملعب دمشق وواشنطن معاً، ملمحاً إلى أن فشل المفاوضات الثلاثية (السورية - الأميركية - الكردية) سيجعل العمل العسكري "قدراً لا مفر منه".
وتجد دمشق نفسها مضطرة للاستجابة للضغوط التركية لاستعادة شرعيتها الدولية وتأمين حدودها، لكنها تخشى في الوقت ذاته من أن يكون هذا الصدام استنزافاً يخدم الأجندة التركية بعيدة المدى في الشمال.
ويرى محللون أن التدخلات الخارجية تحت ذريعة "الأمن القومي" باتت تعقد مسار "الحوار السوري - السوري". فبينما تدفع تركيا نحو الحسم العسكري، يحذر القادة الأكراد من أن لغة الحرب ستقوّض فرص التفاهم وتفتح الباب أمام تدخلات دولية جديدة، خاصة مع ترقب موقف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتذبذب دعمها لشركائها المحليين.
ويمكن القول إن تلويح هاكان فيدان بـ"خيار القوة" ليس مجرد قراءة للموقف، بل هو رسم لمسار المرحلة المقبلة؛ حيث تسعى تركيا لفرض واقع جغرافي يمنع اتصال الكتل الكردية، محولةً الصراع من "تركي - كردي" إلى "سوري - سوري" تحت غطاء الشرعية الدولية ووحدة الأراضي.