أنقرة تفتح الأبواب لعودة مشروطة لمقاتلي 'العمال الكردستاني'
أنقرة - تعمل تركيا على إعداد قانون يسمح للآلاف من مقاتلي حزب العمال الكردستاني والمدنيين بالعودة إلى ديارهم من معاقلهم في شمال العراق في إطار مفاوضات لإنهاء صراع استمر لعقود وأودى بحياة نحو 40 ألف شخص، فيما يعدّ التشريع المنتظر، الذي يتضمن شروطا صارمة، بمثابة الاختبار الأخير لجدية عملية السلام.
ويمثل القانون محاولة من الحكومة التركية لتقديم حل عملي لإعادة دمج المقاتلين والمدنيين، مع الحفاظ على الخطوط الحمراء المتعلقة بالعفو عن الجرائم الكبرى، ومحاولة حل مسألة القيادات عبر ترحيلهم إلى دول ثالثة.
وقال مسؤول كبير في الشرق الأوسط ومصدر في حزب سياسي كردي في تركيا إن القانون المقترح سيحمي العائدين إلى ديارهم، لكنه لا يشمل منح عفو عام عن الجرائم التي ارتكبها المسلحون السابقون.
وتعد إعادة مقاتلي حزب العمال الكردستاني وعائلاتهم إلى تركيا من قواعدهم في المنطقة الجبلية بشمال العراق إحدى آخر العقبات في عملية السلام التي انطلقت قبل عام لتسوية القضية الكردية.
وبينما تحدث المسؤولون علنا عن جهود المصالحة بشكل عام، كشف المصدران عن تفاصيل لم تنشر من قبل، ومنها مقترحات لعودة المدنيين والمقاتلين في دفعات منفصلة وإرسال القادة إلى دول ثالثة.
وقال المسؤول في الشرق الأوسط، الذي شرح المفاوضات الحساسة وطلب عدم الكشف عن هويته، إن التشريع الذي سيتيح عودة هؤلاء قد يطرح في البرلمان التركي هذا الشهر.
ويشير هذا التحديد الزمني إلى أن أنقرة تسعى لتسريع الإجراءات القانونية لتتواكب مع الخطوات التي اتخذها حزب العمال الكردستاني، وأبرزها البدء في إلقاء السلاح وسحب مقاتليه من الأراضي التركية إلى شمال العراق.
وتُشير تقارير إلى أن تركيا رفضت حتى الآن إعادة ما يقرب من 1000 من القيادات العليا والمتوسطة في الحزب ولا تزال المفاوضات مستمرة حول هذا الأمر، وسط مخاوف من أن يؤدي استبعاد هؤلاء من العودة إلى تجدد التمرد في المستقبل.
ويؤكد قادة الحزب الكردي بشكل متكرر على أن الإفراج عن زعيمه عبدالله أوجلان، أو على الأقل تحسين ظروفه والتفاوض معه مباشرة، هو مطلب أساسي وضروري لضمان نجاح عملية السلام واستدامتها على المدى الطويل.
وكان "العمال الكردستاني" أعلن سابقاً عن سحب مقاتليه من الأراضي التركية إلى شمال العراق، في خطوة وصفتها أنقرة بأنها "نتيجة ملموسة" لجهود المصالحة. وبعد نزع السلاح والانسحاب يدعو الجانب الكردي الحكومة التركية إلى اتخاذ "إجراءات ملموسة" وإعداد اللوائح القانونية التي تضمن تحول المقاتلين إلى الحياة المدنية والسياسية بشكل دائم تحت سقف القانون.
وتشدد الحكومة التركية على أن حقوق الضحايا والقضايا القانونية ستظل في صلب أي مسار سلام، وأنها لن تطمئن إلا بعد التخلص من كافة الأسلحة الثقيلة والعناصر المسلحة داخل تركيا وخارجها.
وكان نعمان قورتولموش، الذي يرأس لجنة المصالحة التي شكلتها تركيا في أغسطس/آب، قال الأسبوع الماضي إنه لن يتم اتخاذ أي خطوات قانونية ما لم تتحقق أنقرة من أن حزب العمال الكردستاني أنهى عملية حل نفسه.
وأضاف أنه "بمجرد أن تتأكد أجهزة الأمن والمخابرات التركية من أن المنظمة تخلت بالفعل عن سلاحها وأكملت عملية حل نفسها بنفسها، فإن أنقرة ستدخل مرحلة جديدة من التنظيم القانوني لبلاد خالية من الإرهاب".
وذكر المسؤول في الشرق الأوسط أن الاقتراح الذي يجري مناقشته الآن قد يشهد عودة نحو ألف من المدنيين والأعضاء غير المسلحين في المقام الأول ثم عودة نحو ثمانية آلاف مقاتل بعد إجراءات تمحيص لكل فرد.
وقال طيب تيمل، نائب الرئيس المشارك لحزب المساواة والديمقراطية للشعوب الموالي للأكراد، إن المفاوضات الدائرة تركز على صيغة أكد عليها أوجلان شخصيا، مضيفا أن "العمل مستمر لإصدار قانون خاص لحزب العمال الكردستاني لتمكين إعادة الاندماج الديمقراطي والاجتماعي لأعضائه".
وتابع "سيُعنى القانون بجميع العائدين من المدنيين أو المسلحين من الحزب.. لا توجد خطة للعودة على مراحل. الصيغة التي يجري العمل عليها شاملة وتنطبق على الجميع".
وأكد تيمل أن تركيا طرحت فكرة إرسال عدد من أعضاء العمال الكردستاني إلى دول ثالثة، لكنه شدد على ضرورة مناقشة هذه المسالة مع الدول المضيفة المحتملة.
وقال مصدر آخر في حزب المساواة والديمقراطية للشعوب، وهو ثالث أكبر الأحزاب في البرلمان، إن اللجنة التي تصوغ المقترح تعمل على قانون واحد خاص بحزب العمال الكردستاني يتجنب لهجة العفو العام.
وأضاف "ستطبق إجراءات مختلفة على مجموعات مختلفة من العائدين"، مضيفا أن بعض أعضاء حزب العمال الكردستاني العائدين سيواجهون على الأرجح تحقيقات ومحاكمات.
وأوضح "إذا لم يكن الأمر كذلك، فسيكون من الصعب التوصل إلى أرضية مشتركة بين الأحزاب في اللجنة". وبمجرد أن تكمل اللجنة البرلمانية عملها، من المتوقع أن توصي البرلمان بالقانون الخاص بالحزب، مما يمهد الطريق للموافقة عليه.
وحثت منظمة "هيومن رايتس ووتش" المشرعين على استغلال عملية السلام لإصلاح القوانين التي طالما استُخدمت لاتهام وسجن النشطاء الأكراد الذين لا يستخدمون العنف.
وقال هيو وليامسون مدير أوروبا وآسيا الوسطى في المنظمة "لدى اللجنة فرصة فريدة للمساعدة في تشكيل مجتمع ما بعد الصراع، وينبغي أن تقدم توصيات جريئة لإلغاء القوانين التعسفية المستخدمة لإسكات الناس وتهميشهم".