التعاون العسكري التركي المصري يثير قلق اسرائيل
القدس – يثير التعاون العسكري بين مصر وتركيا اهتماماً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، خاصة بعد تنفيذ مناورات جوية مشتركة واسعة النطاق على الأراضي المصرية حيث يرى مسؤولون أمنيون ومحللون إسرائيليون في هذا التعاون رسالة تهديد موجهة لإسرائيل واليونان فيما يتعلق بصراعات الطاقة والسيطرة في شرق البحر المتوسط، بحسب منصة "ناتسيف نت" الإسرائيلية.
وقالت المنصة، أن التمرين الذي من المتوقع أن يستمر لعدة أيام يقام في عدة قواعد جوية في أنحاء مصر، يأتي دون اسم محدد تم الإعلان عنه حتى الآن، على عكس التمرين البحري السابق الذي أقيم في سبتمبر/أيلول 2025 وأطلق عليه اسم بحر الصداقة، مما يعكس طابعه الاستراتيجي الحساس الذي يتجاوز التدريبات الروتينية ويزيد من حدة المخاوف الإسرائيلية.
وتابعت أن هذا التقارب العسكري يهدف بالنسبة لمصر إلى صقل الكفاءة التشغيلية لأطقم الطيران وإنتاج القدرة على تنفيذ مهام جوية مشتركة، لكنه في الوقت ذاته يمثل تعميقا للمحور الأمني مع تركيا كثقل موازن للتحديات الإقليمية، وهو ما يثير مخاوف إسرائيلية عميقة من تغير موازين القوى في المنطقة.
وتنظر إسرائيل بقلق إلى هذا التقارب باعتباره تطوراً قد يغير موازين القوى في منطقة شرق البحر المتوسط، حيث تتشابك ملفات الأمن والطاقة والنفوذ البحري. فمصر تمتلك أحد أكبر الجيوش في المنطقة، بينما تعد تركيا قوة عسكرية وإقليمية مؤثرة تملك قدرات بحرية وجوية متقدمة، ما يجعل أي تنسيق بينهما محل متابعة دقيقة من قبل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
ويعود جانب من المخاوف الإسرائيلية إلى أن التقارب المصري التركي يأتي بعد سنوات من التوتر والخلافات السياسية بين البلدين، الأمر الذي يجعل استعادة العلاقات العسكرية بينهما تطوراً غير متوقع بالنسبة لبعض دوائر صنع القرار في تل أبيب. كما تخشى إسرائيل من أن يؤدي هذا التعاون إلى تقليص هامش نفوذها في شرق المتوسط، خصوصاً في ظل المنافسة المتزايدة حول مشاريع الغاز وخطوط نقل الطاقة.
وأكثر ما يثير قلق تل أبيب هو تبلور تحالف عسكري متين بين البلدين قد يشمل في المستقبل صفقات سلاح نوعية ومهمة، فهذا التمرين الجوي يندرج في إطار سلسلة مناورات مشتركة ومتسارعة بين البلدين، شملت تدريبات للقوات الخاصة أجريت في تركيا في مايو/أيار 2025 وتمرينا بحريا كبيرا في سبتمبر/أيلول الماضي، كاسرين بذلك حاجز القطيعة التي استمرت 13 عاما بين البلدين في ظل تصاعد المخاوف الإسرائيلية من هذا المسار التعاوني المتصاعد.
وأكد المتحدث باسم الجيش المصري أن القوات المسلحة المصرية نفذت تمارين جوية مشتركة مع تركيا في عدة قواعد جوية مصرية وستستمر حتى 17 يونيو/حزيران الحالي، بمشاركة طائرات مقاتلة متعددة الأغراض من طرازات مختلفة.
وأوضح البيان المصري أن التمارين تشمل سلسلة من المحاضرات النظرية لتوحيد المفاهيم القتالية وتبادل المعرفة والخبرة التدريبية بين الوحدات المشاركة، وتنفيذ طلعات تدريب على مهام تشغيلية لتعزيز القدرة على العمل المشترك، في خطوة تؤكد عمق التعاون العسكري الذي يثير حفيظة تل أبيب.
وتأتي هذه التمارين تأتي بعد نحو شهرين ونصف من مشاركة القوات التركية والمصرية في تمارين فلنتلوك 2026 التي استضافتها مدينة سرت الليبية بمشاركة قوات من شرق وغرب ليبيا، مما يعكس توسع التعاون العسكري المصري التركي ليشمل مناطق حيوية أخرى في المنطقة ويزيد من دائرة القلق الإسرائيلي.
ويرى محللون إسرائيليون أن المناورات العسكرية المشتركة تحمل رسائل استراتيجية تتجاوز الجانب التدريبي، إذ تعكس قدرة القاهرة وأنقرة على تنسيق المواقف الأمنية والعسكرية في ملفات إقليمية متعددة. كما أن التعاون بينهما قد يمنحهما دوراً أكبر في رسم التوازنات الأمنية في البحر المتوسط، وهو ما قد يحد من قدرة إسرائيل على التحرك منفردة في بعض الملفات الإقليمية.
في المقابل، يرى مراقبون أن القاهرة وأنقرة تسعيان بالدرجة الأولى إلى تعزيز مصالحهما الاستراتيجية وتطوير قدراتهما الدفاعية بعيداً عن استهداف طرف بعينه، وأن التعاون العسكري بينهما يندرج ضمن مسار أوسع لإعادة بناء العلاقات الثنائية بعد سنوات من القطيعة. ومع ذلك، فإن حساسية موقع البلدين وثقلهما العسكري تجعل أي تقارب بينهما محل اهتمام وقلق لدى إسرائيل التي تتابع عن كثب التحولات الجارية في المنطقة.
وتتزايد المخاوف الإسرائيلية أيضاً من إمكانية توسع هذا التعاون ليشمل مجالات التصنيع العسكري وتبادل الخبرات والتنسيق البحري، خاصة أن البلدين يمتلكان مواقع جغرافية استراتيجية تطل على أهم الممرات البحرية في المنطقة. ومن شأن أي شراكة عسكرية طويلة الأمد أن تخلق ثقلاً إقليمياً جديداً يمكن أن يؤثر في حسابات الأمن الإقليمي.
وفي ظل المتغيرات المتسارعة في الشرق الأوسط، يبدو أن التقارب العسكري المصري التركي سيظل أحد الملفات التي تشغل دوائر الأمن الإسرائيلية، ليس بسبب ما يمثله حالياً فحسب، بل لما قد يفتحه مستقبلاً من احتمالات تتعلق بإعادة تشكيل توازنات القوة والنفوذ في شرق البحر المتوسط.