إفريقيا في أجندة ترامب نفوذ أم انسحاب

التنافس الأميركي الصيني في إفريقيا سيتركّز غالبًا حول الحصول على الموارد الحيوية.

تحوّلت أفريقيا خلال العقود الأخيرة إلى ساحة تنافس دولي متصاعد حول النفوذ والموارد، وكانت الولايات المتحدة أحد أبرز الفاعلين فيها منذ نهاية الحرب الباردة. لكن صعود دونالد ترامب بسياساته الانعزالية والانتقائية أدى إلى تراجع الاهتمام الأميركي بالقارة، مقابل تركيز أكبر على نصف الكرة الغربي وآسيا والمحيط الهادئ.

لم تُعتبر إفريقيا أولوية واضحة في بداية عهد ترامب، إلا أن الإدارة الأميركية زادت من نشاطها في القارة، مع التركيز، حسب وثيقة الأمن القومي الأميركي الصادرة في نوفمبر 2025، على مواجهة النفوذ الروسي، خصوصًا الجماعات شبه العسكرية، والتعامل مع التوسع الاقتصادي الصيني، وإطلاق مبادرات لتعزيز المصالح الأميركية الاقتصادية والجيوسياسية.

في هذا الصدد، أصبح معيار الشراكة هو القدرة على تقديم منفعة مباشرة لواشنطن تحت قيادة ترامب، وليس الصداقة أو التعاون. إلا أن تطبيق هذا النهج، على ما يبدو، جاء حاليًا في سياق تقليص الدعم المالي، وليس تطوير نموذج تنموي تحرري ذاتي فعلي. لذلك، تحوّلت السياسة الأميركية تجاه القارة الإفريقية إلى نهج يقوم على تغليب العلاقات الثنائية مع دول غنية بالمعادن والموارد الحيوية على النهج الجماعي، مع تهميش المؤسسات القارية، وتحديدًا الاتحاد الإفريقي.

وقد ظهر ذلك جليًا في اجتماع ترامب مع قادة خمس دول أفريقية في يوليو 2025، وهي الغابون، غينيا-بيساو، ليبيريا، موريتانيا، والسنغال. هذه الدول لا تُعدّ قوى رئيسية من حيث حجم التجارة مع الولايات المتحدة، مقابل شركاء تقليديين مثل نيجيريا وجنوب إفريقيا، لكنها تمتلك موارد طبيعية هائلة غير مستغلة، وهو ما يعزز رؤية ترامب بتفعيل شعار "أميركا أولاً".

اتخذت الإدارة الأميركية إجراءات قد تكون أضرت بمصالح الشركاء التقليديين في إفريقيا، مثل اتهام نيجيريا باضطهاد المسيحيين وتهديدات ترامب بالتدخل العسكري لحمايتهم، والتلويح بعقوبات على الدول التي تسمح بتسهيل النشاط الروسي، وسياسة الترحيل والضغط على بعض دول القارة لقبول المهاجرين المبعدين من الأراضي الأميركية، وتهديد الصوماليين الأميركيين وخطاباته العنصرية تجاههم، إلى جانب خفض المساعدات عبر "USAID"، ما أثر على برامج إنسانية وتنموية واسعة تضررت منها عدة دول ومجتمعات أفريقية. دفعت هذه الإجراءات بشكل متزايد العديد من الدول الإفريقية إلى تعزيز علاقاتها مع روسيا والصين، اللتين توفران بدائل سياسية واقتصادية أقل اشتراطًا وأكثر احترامًا للآخرين.

ورغم أن الإدارة الأميركية شددت على أن المساعدات لم تعد محور السياسة الأميركية تحت شعار "التجارة لا المساعدات"، تواجه إدارة ترامب انتقادات متزايدة بسبب السياسات المتناقضة التي تنهجها، وأبرزها فرض رسوم جمركية مقترحة على صادرات أفريقية قد تصل إلى 50 في المئة، وقيود تأشيرات تُعيق حركة رجال الأعمال والمسؤولين من غرب إفريقيا. هذه الإجراءات تخلق حالة من الشك لدى الدول الإفريقية حول جدية الولايات المتحدة في إقامة شراكة متكافئة.

في ظل هذا المشهد، واصلت الصين تعزيز حضورها في إفريقيا، حيث بلغ حجم تجارتها مع القارة خمسة أضعاف حجم التجارة مع الولايات المتحدة، فضلًا عن إعلان بكين إعفاءات جمركية جديدة للدول الإفريقية، ما زاد من جاذبية شراكتها الاقتصادية مقارنة بالنهج الأميركي القائم على العقوبات والرسوم.

وبخصوص التنافس الجيوستراتيجي، وفي ضوء السياسة الأميركية الجديدة، وبالرجوع إلى وثيقة الأمن القومي الأميركي التي تركز على آسيا كميدان أساسي للمواجهة مع الصين، يبدو أن التنافس الأميركي–الصيني في إفريقيا سيتركّز غالبًا حول الحصول على الموارد الحيوية. كما يبدو أن خيار الامتناع الأميركي عن التدخل المباشر في قضايا القارة الإفريقية، واعتماد سياسة الانتقاء في الانخراط، سيكون هو الخيار الأرجح، عبر وكلاء إقليميين يخدمون مصالحها بأقل تكلفة ممكنة ومن دون انخراط مباشر أو التزامات طويلة الأمد، مع التركيز على استمرار استهداف الجماعات الإرهابية في القارة، ما يعني بقاء التركيز على مناطق ستكون أكثر تعرضًا لتهديد هذه الجماعات، كما في الساحل والقرن الإفريقي.