إلغاء حفل مالك جندلي.. هل سلطة رجال الدين أقوى من الدولة
دمشق – تضاربت الأبناء حول سبب إلغاء الحفل الفني للموسيقار مالك جندلي في عدة محافظات سورية انطلاقا من حمص بعد أن كان مقررا في الثامن من ديسمبر/كانون الأول الجاري بمناسبة "عيد التحرير"، إذ أن الحفل يحمل رمزية خاصة للسوريين وللموسيقار الذي ينحدر من مدينة حمص، فيما عكست القضية تضارب الصلاحيات بين المؤسسات الرسمية وتدخل رجال الدين في موضوع يفترض أنه من صلاحيات وزارة الثقافة.
واشتعل الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي منذ الإعلان عن إلغاء الحفل، فبينما نشرت وزارة الثقافة بيانا السبت الماضي، قالت فيه أنها "لا تعلم" أسباب التغيير الذي طرأ على برنامج حفلات الموسيقار مالك جندلي في حمص، وأكدت أن جميع التحضيرات الفنية واللوجستية اكتملت قبل أن يعتذر الأخير عن الحضور، ما أدى إلى إلغاء الحفلات المقررة.
وقرر جندلي حسم الجدل في الموضوع بإصدار بيان توضيحي رد فيه على التصريحات التي أدلى بها وزير الثقافة السوري
وقال جندلي الذي ينحدر من مدينة حمص في بيان نشر عبر حسابه على منصة إكس الأربعاء، إن "الأبواب لم تُغلق في وجهه"، لكن باب الاتفاق نفسه أُغلق في اللحظة الأخيرة رغم أن البرنامج كان واضحاً ومكتوباً ومتفقاً عليه مع وزارة الثقافة والجهات الرسمية، ويتضمن حفلًا افتتاحيًا في ساحة الساعة بحمص (الفعالية الأكثر رمزية)، وحفلاً في المركز الثقافي بحمص، إضافة إلى أمسيتين في دار الأوبرا بدمشق.
كما أوضح الموسيقار أن هذا البرنامج لم يكن مجرد إعلان إعلامي بل إطاراً فنياً ولوجستياً بُنيت عليه استعدادات الأوركسترا والمايسترو والبرامج الموسيقية.
ونفى رواية أن موضوع عدد العازفين اكتشف لاحقاً، معتبراً ذلك "منافياً للواقع"، إذ إن الفرقة المعنية هي الفرقة السيمفونية الوطنية السورية التابعة للوزارة نفسها، وكانت الوزارة تشرف على تدريباتها وتعرف عدد أعضائها "بالاسم والآلة".
وأضاف إن أي اعتراض لوجستي لم يطرح خلال أشهر التحضير، وإن الأسباب التي قُدمت عند التراجع عن البرنامج "تبدّلت بين اللوجستي والأمني وتغيير الموعد والمكان".
كما أكد أن إلغاء حفل ساحة الساعة لم يكن "تفصيلًا بسيطًا"، لأن البرنامج الموسيقي المخصص له كان مختلفاً عن برنامج القاعات المغلقة، ومبنياً على تفاعل مباشر مع الجمهور واستحضار مقاطع مرتبطة بالهتافات والشعارات التي عرفها المكان ذاته. وأضاف أن نقل الفعالية يفرغ المشروع من روحه
وأشار إلى أنه لم يتلقَّ أي اتصال رسمي للاعتذار أو توضيح ما جرى، مؤكداً أنه لا يحمل عداء لأحد، لكنه يرفض تحميله مسؤولية قرار لم يتخذه أو تصوير دفاعه عن كرامة الفن والجمهور كأنه تهمة.
وختم بالتأكيد على أن رغبته في أن تعود موسيقاه إلى سوريا لم تتغيّر، وأن "السيمفونية السورية تستحق أن تُعزف على أرضها"، مطالباً بـ"الحد الأدنى من المهنية والاحترام" لما تم الاتفاق عليه. وقال "من حقي أن أعتذر حين يلغى جوهر المشروع في اللحظة الأخيرة، ومن حق الناس أن يعرفوا الحقيقة كما هي".
وجندلي كان من أبرز الأصوات الفنية المعارضة للنظام السابق خلال الحرب التي امتدت نحو 14 عاماً. وقد أسس منظمة "بيانو من أجل السلام" التي تستخدم الفن لنشر السلام حول العالم ومناطق الصراع.
وجاء الجدل بعد أن أفادت إدارة الفعاليات في وزارة الثقافة السورية، في بيان بأن التواصل مع مالك جندلي استمر لأكثر من ثلاثة أشهر لتنسيق أربع حفلات ضمن فعاليات الذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد في حمص ودمشق بمشاركة الفرقة السيمفونية الوطنية السورية. وأشارت إلى أن تغييرات طرأت على برنامج حفلات جندلي في محافظة حمص لأسباب لم تُبلّغ بها الوزارة، وأن نقل الفعالية إلى محافظة أخرى كان ممكناً، إلا أن اعتذار الموسيقار عن الحضور حال دون إقامة الحفلين المقررين في دمشق.
غير أن بيان وزارة الثقافة ليس الرواية الوحيدة لما جرى، فهناك من تحدث عن أسباب أمنية ومنها "صعوبة تأمين الحفل، وسلامة العازفين في مكان مفتوح، خاصة مع وجود مايسترو يحمل الجنسية الأميركية".
وكانت تدوينة لرئيس لجنة الإفتاء في محافظة حمص، الشيخ سهل جنيد، قد فسرت أسباب إلغاء الحفل في ساحة الساعة بحمص وهو جوهر المشكلة، حيث نشرت عبر صفحته على فيسبوك، التساؤلات حول الدوافع الحقيقية لإلغاء الفعالية، ورجحّت لدى عددٍ من المتابعين السوريين فرضية الإلغاء استجابة لاعتراضات تيار ديني في المدينة.
وجاء في تدوينة الشيخ جنيد "إن إلغاء فعالية أوركسترا في ساحة تحمل ذاكرة الدم والدمع هو احترامٌ للدماء التي رفعت هذه البلاد، ووفاء لأهالي وذوي الشهداء، أو قل هو طاعة للرحمن أولاً وآخرًا.. لقد كانت مطالب الناس واضحة ألا تُحمَّل ساحة الألم والكرامة والتحدي ما لا يليق بها، وأن تُصان رمزية الشهادة من أي توظيف خارج إطارها الشرعي والوطني.. الشهداء كرامتهم أمانةٌ في أعناقنا ودماؤهم آيةٌ من آيات الله لا تُكرَّم بالمعازف".
واستنكر ناشطون تدخل رجال الدين في جميع شؤون السوريين والتشدد تجاه الحفلات الموسيقة، واعتبار أن الموسيقى لا تجوز.
واستهجن الكثيرون هذه المبررات
وتداول ناشطون أنباء بأن محافظ حمص صرح بأن قرار إلغاء حفل الموسيقار العالمي مالك جندلي من ساحة الساعة استند إلى تقييمات أمنية ولوجستية، وليس لأسباب ثانية. وهو ما أدى أيضا الى انتقادات واسعة بشأن الانغلاق الذي تتجه إليه المدينة بسبب تبريرات لا معنى لها، متسائلين ما هي مصلحة سورية في مثل هذا القرار المعاكس لانفتاح سورية على العالم وانفتاح العالم عليها؟
وطالت الانتقادات وزير الثقافة الذي بدت تصريحاته لا تتماشى مع انتظارات الجمهور السوري:
وكان من المقرر أن يقدّم جندلي حفلاً في الهواء الطلق بـ "ساحة الساعة" وسط مدينة حمص، احتفالاً بـ "عيد التحرير" في 8 ديسمبر/كانون الأوّل الجاري، وآخر في المركز الثقافي للمدينة، وحفلين لاحقين في دار "أوبرا دمشق".
وأزالت محافظة حمص، التدوينة التي تشير إلى فعالية مالك جندلي من صفحتها على فيسبوك، بعد بيان اعتذاره، وخلت الصفحة من أي توضيح حول سبب إلغاء حفله في "ساحة الساعة".