احتجاجات إيران تدخل منعطفا جديدا مع قطع تام للإنترنت

الشارع الإيراني يعيش حالة غليان غير مسبوق مع تمدد الاحتجاجات ليلا لعدة مدن وسط تهديد الرئيس الأميركي بضربة قوية اذا سقط قتلى من المحتجين بنيران القوات الإيرانية.

طهران/واشنطن - تشهد إيران تصعيداً غير مسبوق في وتيرة الاحتجاجات الشعبية، تزامناً مع انقطاع واسع لخدمة الإنترنت شمل مختلف أنحاء البلاد، في مؤشر جديد على حدة التوتر الداخلي وسعي السلطات إلى احتواء الغضب المتصاعد في الشارع.

وأفادت مجموعة "نتبلوكس" لمراقبة الإنترنت الخميس، بانقطاع الخدمة عن عموم الأراضي الإيرانية، وسط استمرار التظاهرات المناهضة للأوضاع الاقتصادية والسياسية، من دون صدور توضيحات رسمية حول أسباب هذا الإجراء أو مدته.

ونقل شهود من العاصمة طهران ومدينتي مشهد وأصفهان، وهما من أكبر المدن الإيرانية، أن المحتجين عادوا إلى الشوارع مرددين هتافات معادية لرجال الدين الذين يحكمون الجمهورية الإسلامية، في تحدٍ واضح للرواية الرسمية التي تحدثت عن "هدوء" يسود المدن. وفي موازاة ذلك، دعت شخصيات معارضة في الخارج إلى توسيع رقعة الاحتجاجات، إذ نشر رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل، تسجيلاً مصوراً على منصة إكس دعا فيه الإيرانيين إلى مواصلة التحرك ضد النظام.

وذكرت منشورات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، لم تتمكن رويترز من التحقق منها بشكل مستقل، أن شعارات مؤيدة لبهلوي رُفعت في عدد من المدن والبلدات، ما يعكس عودة الخطاب الملكي إلى الواجهة كأحد رموز الاحتجاج، رغم غيابه الطويل عن المشهد الداخلي.

وفي المقابل، أكدت منظمة حقوقية مقتل 45 محتجاً بنيران قوات الأمن، فيما أشارت مصادر إلى مقتل شرطي طعناً خلال المواجهات، ما ينذر بمزيد من التصعيد المتبادل.

وتعود شرارة هذه الاحتجاجات إلى الشهر الماضي، حين اندلعت في منطقة البازار الكبير في طهران، مع خروج أصحاب المتاجر للتنديد بالانهيار المتسارع لقيمة الريال الإيراني. وسرعان ما تحولت تلك التحركات المطلبية إلى موجة احتجاج أوسع، وُصفت بأنها الأكبر منذ ثلاث سنوات، لتشمل مناطق عدة في البلاد، في ظل أزمة اقتصادية خانقة تتغذى من ارتفاع معدلات التضخم، وسوء الإدارة، والعقوبات الغربية، إضافة إلى القيود المفروضة على الحريات السياسية والاجتماعية.

وفي محاولة لاحتواء التداعيات الاقتصادية للاحتجاجات، حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الموردين المحليين من تخزين السلع أو المبالغة في أسعارها، داعياً إلى ضمان وفرة الإمدادات ومراقبة الأسعار في مختلف أنحاء البلاد. وقال إن "الناس يجب ألا يشعروا بأي نقص في السلع"، في إشارة إلى قلق الحكومة من تحوّل الأزمة الاقتصادية إلى عامل تفجير اجتماعي يصعب السيطرة عليه.

لكن الضغوط لا تقتصر على الداخل الإيراني، إذ تتزامن الاضطرابات مع تصاعد التوتر الخارجي، لا سيما بعد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخل "لنجدة المحتجين" في حال أقدمت قوات الأمن الإيرانية على إطلاق النار عليهم. ويأتي هذا التهديد بعد سبعة أشهر فقط من قصف إسرائيلي-أميركي استهدف مواقع نووية إيرانية، ما يضفي على تصريحات ترامب بعداً يتجاوز الخطاب السياسي إلى التلويح بخيارات عسكرية مباشرة.

وتعكس هذه التصريحات الأميركية قراءة مفادها أن إيران تمرّ بمرحلة هشاشة داخلية غير مسبوقة، وأن أي استخدام مفرط للقوة ضد المحتجين قد يوفر ذريعة لتدويل الأزمة أو حتى نقلها إلى مستوى المواجهة العسكرية. وفي المقابل، تجد طهران نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: فهي تسعى إلى ضبط الشارع ومنع انهيار هيبة الدولة، من دون منح خصومها الخارجيين مبرراً للتدخل.

ولا تنفصل هذه التطورات عن انعكاساتها الاقتصادية العالمية، إذ ارتفعت أسعار النفط بأكثر من اثنين بالمئة، الخميس، بعد يومين من التراجع، مع إعادة تقييم المستثمرين للمخاطر الجيوسياسية. وجاء هذا الارتفاع مدفوعاً بمخاوف تتعلق بالإمدادات من روسيا والعراق وإيران، إلى جانب التطورات في فنزويلا، ما يعكس حساسية أسواق الطاقة لأي اضطراب قد يطال أحد كبار المنتجين.

وتكشف الأحداث الجارية في إيران عن تداخل معقد بين أزمة داخلية عميقة وضغوط خارجية متزايدة، في وقت يبدو فيه هامش المناورة لدى السلطات محدوداً، فبين مطالب الشارع المتصاعدة والتهديدات الدولية المتجددة، تقف طهران أمام اختبار صعب قد يحدد ملامح المرحلة المقبلة، ليس فقط على مستوى الاستقرار الداخلي، بل أيضاً في علاقتها مع محيطها الإقليمي والنظام الدولي الأوسع.