احتجاجات عراقية تطالب بإسقاط الحكومة ووقف التدخلات الإيرانية

المحتجون يرفضون الاستغلال السياسي لتحركاتهم العفوية ويؤكدون على ضرورة مواجهة تردي الاوضاع المعيشية وسوء الخدمات الاساسية ومكافحة الفساد.
صدر العراقيين بدا يضيق من التدخلات الايرانية
قادة المحتجين مسرورون بنفي قوى سياسية مثل الصدريين علاقتهم بالمظاهرات
حلفاء ايران يقفزون على مطالب المحتجين بتوجيه اتهامات جاهزة لهم بالارتباط بواشنطن
المحتجون يستغربون ادعاءات حلفاء ايران ربط احتجاجاتهم بصفقة القرن

بغداد - رفع المحتجون في العراق للمرة الأولى سقف مطالبهم للمطالبة باسقاط الحكومة، على غير موجات احتجاجات سابقة في سنوات 2016 و2018، كان غالبا التيار الصدري، بالتحالف مع قوى سياسية اخرى، التيار المدني والحزب الشيوعي، هو المنظم لها بسقف مطالب لا تتعدى الخدمات والاصلاح السياسي ومكافحة الفساد.
الاحتجاجات اتسع نطاقها بنسب متفاوتة لتشمل، بالاضافة الى العاصمة، نحو تسع محافظات في جنوب العراق ووسطه، ذات كثافة شيعية، ورغم عدم وجود أي مؤشرات على مشاركة المحافظات السنية في غرب وشمال غرب العراق بهذه الاحتجاجات لاسباب تتعلق بتوقعات استخدام القوات الامنية وسائل قمع "عنيفة"، تبقى الاحتجاجات خالية من أي بعد طائفي.
وأسفرت المعالجة الامنية للاحتجاجات يومي الأربعاء والخميس - عن مئات الاصابات، بينها 12 قتيلا، وفق أحدث حصيلة، كما اتخذت الحكومة العراقية اجراءات امنية مشددة غير مسبوقة تعكس حقيقة الاوضاع المعقدة التي يشهدها العراق، والخشية من دخول البلاد في دوامة فوضى امنية مجهولة العواقب. 
ليس هناك ما يؤكد الجهة المتسببة بمقتل واصابة مئات المحتجين، وكذلك العشرات من عناصر القوات الامنية، في ذات الوقت الذي اعلنت فيه الحكومة العراقية تشكيل لجنة للتحقيق في تلك الحوادث. 
حاولت الحكومة العراقية فرض سلطتها في العاصمة والمدن الاخرى عبر سلسلة من اجراءات غلق الطرق المؤدية الى ساحة التحرير وسط بغداد والمنطقة الخضراء مركز الحكم ومقرات السفارات الاجنبية، وحجب كلي لمواقع التواصل الاجتماعي عن مناطق التوتر في الاحياء الشرقية من العاصمة، وهي احياء ذات أغلبية شيعية.

المحتجون في العراق
الاشتباكات بين المتظاهرين وقوات الامن اسفر عن مئات الاصابات بينها 12 قتيلا

واعلنت وزارة الدفاع العراقية حالة التأهب القصوى فيما اعلن رئيس الوزراء بصفته القائد العام للقوات المسلحة حظرا للتجوال في بغداد منذ فجر الخميس 3 اكتوبر/ تشرين الاول دون تحديد موعد لرفعه.
سيكون من نتائج قرار فرض حظر التجوال ان تخف حدة الاحتجاجات في العاصمة وضواحيها مع احتمالات اكبر لانتقالها الى محافظات وسط وجنوب العراق بشكل "قد" يتخذ طابعا اكثر عنفا وخروج محافظة او اكثر عن سيطرة الحكومة المركزية. 
لا شك ان هذه الموجة من الاحتجاجات، وهي الموجة الرابعة، هي الاعلى صوتا في رفض مجمل العملية السياسية والمطالبة باسقاط الحكومة، والتركيز على اخراج إيران من العراق، وهو ما اعلنت عنه صراحة شعارات وهتافات للمحتجين. 
طهران أم واشنطن؟ هل من محرك؟
تركيز المحتجين على اخراج ايران من العراق خلق رأي لدى قادة فصائل مسلحة بوجود صلة ما بين المحتجين والاميركيين. 
وفي حين لا توجد مؤشرات على ارتباط المحتجين باي جهة خارجية، وان مطالبهم في الأساس اقتصادية اجتماعية، هناك ثمة "اتهامات" من اطراف محلية حليفة لايران بوجود صلة ما بين المحتجين والولايات المتحدة. 
وتلك الاتهامات دائما ما تكون جاهزة من قبل سياسيين مرتبطين بايران يرفضون الاعتراف بدور طهران في الاضرار بمصالح الشعب العراقي وادخال البلاد في ازمات هي في غنى عنها.
وذاق صدر العراقيين فيما يبدو من تدخلات ايران التي حولت الساحة العراقية الى ساحة لتصفية الحسابات مع الولايات المتحدة.
ويتذكر العراقيون تصريح السفير الايراني ادرج مسجدي الاسبوع الماضي والذي هدد صراحة بالهجوم على القوات الاميركية في العراق دون احترام للأعراف الدبلوماسية ما اثار غضبا شعبيا.
ويبدو ان الشعارات التي رفعت في المظاهرات رسالة واضحة من العراقيين بان بلادهم ليست ضيعة خاصة بايران.

المتظاهرون العراقيون
متظاهرون من الشباب يحملون النفوذ الايراني مسؤولية ازمتهم

وقبيل انطلاق الموجة الجديدة من الاحتجاجات في الاول من اكتوبر/تشرين الاول، صرح الامين العام لحركة "عصائب اهل الحق"، قيس الخزعلي، أن "التظاهرات التي يزعم انطلاقها الثلاثاء، 1 اكتوبر/ تشرين الاول مرتبطة بصفقة القرن (الأميركية لتسوية القضية الفلسطينية) في سياق عمل كبير من جهات داخلية مع خطاب اعلامي متصاعد لتطويع الراي العام مع صفقة القرن"، وان هذه "التظاهرات ذات دوافع سياسية". 
ويرفض العراقيون مثل هذا الطرح بل يستغربون العلاقة بين الدعوات لكبح جماح التدخلات الايرانية وايقاف انتهاك السيادة الوطنية للعراق والدعوة لمكافحة الفساد وبين صفقة القرن.
ودائما ما تحاول الميليشيات استغلال القضية الفلسطينية لتبرير التجاوزات الايرانية في العراق.
من جهته، أكد أن التيار الصدري الذي يقود تحالف سائرون اكد ان "التظاهرات لا تمثل التحالف او توجه زعاماته على الرغم من عدم تحقيق الحكومة اي انجازات على الساحة الخدمية او الاقتصادية او السياسية"، وهي عوامل دفعت التيار الصدري لتنظيم احتجاجات عدة طيلة السنوات الماضية. 
وهذا الموقف سيسر دون شك قادة الاحتجاج الشعبي الذين يرفضون التدخلات السياسية في احتجاجاتهم العفوية المطالبة بالتغيير الجذري على قاعدة الولاء للعراق ولمصالحه فقط بعيدا عن الاستغلال السياسي.

ميليشيات ايران في العراق
ميليشيات ايران مرتبكة بعد اتهام المتظاهرين العراقيين بالولاء لواشنطن

وظل العنوان الاهم للاحتجاجات معاناة العراقيين من تردي الاوضاع المعيشية وسوء الخدمات الاساسية ومكافحة الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة العراقية، الامنية والعسكرية والاقتصادية والخدمية، بالاضافة الى توفير فرص العمل، ولا يبدو للآن أنها مسيسة من أي جهة. 
وقد تكون الاحتجاجات الراهنة هي التحدي الاخطر الذي يواجه حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي منذ تشكيلها قبل اقل من عام. 
وفي محاولة منه للخروج من الازمة، عقد رئيس الوزراء اجتماعا لمجلس الامن الوطني برئاسته استنكر اعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات مع وعود باتخاذ تدابير لحماية المواطنين والممتلكات العامة والعمل على تلبية مطالب المحتجين. 
والقت وزارة الداخلية العراقية مسؤولية "التحريض على العنف على مجموعة من مثيري الشغب". 
ويعتقد خبراء ان ردود افعال الحكومة العراقية "مبالغ فيها"، وانها تسببت في ابراز الاحتجاجات الى صدارة المشهد الاعلامي والاهتمام السياسي لدول مثل الولايات المتحدة ومنظمات دولية عدة. 
ولم تتفق الرئاسات الثلاث على موقف موحد ازاء الاحتجاجات. 
وفي بيانين منفصلين، ايد رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب الحق في التظاهر السلمي مع ضرورة عدم الاعتداء من قبلهم على القوات الامنية والممتلكات العامة. 
اما رئيس الوزراء عادل عبد المهدي فقد اكد حرص حكومته على "وضع حلول حقيقية جذرية للكثير من المشاكل المتراكمة"، وان الحكومة "لا تفرق بين المتظاهرين الذين يمارسون حقهم الدستوري في التظاهر السلمي". 
لكن اجتماعا ثانيا عقدته الرئاسات الثلاث اصدرت فجر الخميس 3 اكتوبر/ تشرين الاول بيانا "عموميا" شدد على ضرورة التواصل مع المحتجين وتشكيل لجنة للتعامل مع مطالبهم، بالاضافة الى الشروع في تنفيذ قانون الضمان الاجتماعي مع اطلاق حوار وطني شامل. 
طابع العنف الذي اتسمت به الاحتجاجات الراهنة سواء من قبل المحتجين او من قبل القوات الامنية، اثار قلق الاطراف الاقليمية المهتمة بالشأن العراقي، مثل ايران، والاطراف الدولية، مثل الولايات المتحدة. 
وتتابع الولايات المتحدة الاحتجاجات في العراق، وفق مسؤول في الخارجية الأميركية دعا "جميع الأطراف الى تخفيف حدة التوتر". 
ومنذ تصاعد حدة التوترات في ايار/ مايو الماضي بين الولايات المتحدة وايران على خلفية تشديد العقوبات الأميركية، تحول العراق بشكل ما الى ساحة صراع بين البلدين عبر فصائل عراقية مسلحة حليفة لايران هددت واستهدفت مرات عدة مصالح امريكية في بغداد والبصرة.
وتستضيف الحكومة العراقية ما بين 5 الى 8 آلاف عسكري اميركي. 
وتتخوف الولايات المتحدة على مصير جنودها والاف العاملين في المرافق الدبلوماسية والشركات الاميركية من استهداف القوات الحليفة لايران. 
لذلك تبذل الولايات المتحدة ما يلزم من الجهود لعدم انزلاق العراق الى حالة من عدم الاستقرار وغياب سلطة الدولة العراقية، والحفاظ على العملية السياسية من منطلق التزامها باتفاقية الاطار الاستراتيجي لعام 2009 مع العراق. 
وفي بيان لها، ايدت السفارة الاميركية في بغداد "الحق في التظاهر سلميا"، وهو حق اساسي في جميع الديمقراطيات على ان لا يكون هناك مكان للعنف من اي طرف. 

و دعت السفارة الاميركية جميع الاطراف الى ضبط النفس. 
ويمكن ان تكون بواعث القلق الاميركي ابعد من الخشية على ارواح جنودها والعاملين في العراق، ومصالحها الاقتصادية، الى احتمالات فقدان الحكومة المركزية سيطرتها على الاوضاع في العراق. 
ويرى مراقبون ان فقدان الحكومة المركزية سيطرتها على الاوضاع الامنية قد يغري القوات الحليفة لايران لفرض الامر الواقع والسيطرة على العاصمة والسلطة ايضا في استنساخ لتجربة سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة اليمنية في سبتمبر/ ايلول 2014.
لكن الرغبة الشعبية اليوم في العراق تجرى عكس رغبة التيار المتحالف مع ايران حيث يجمع العراقيون على ضرورة مواجهة نفوذ طهران وبالتالي فان الشعب العراقي اليوم خاصة فئاته الحية والشبابية ستكون صمام امان حقيقي لمواجهة الاطماع الايرانية.