استشهدت مرتين

الصورة كانت مسرعة جداً. الزمن كان يتغير كل دقيقة كان ابني يكبر ويكبر.
حين دخلنا الربيع العربي المشؤوم كنا نتستر خلف أصبعنا المكسور واليوم فضح فقراء البلد كل شيء
الماغوط: إني لست مخلصاً لوطني وعروبتي وأناشيدي المدرسية وحسب بل إنني لست مخلصا حتى لسعالي

علاء زريفة

وجدت نفسي هنا وحدي معي مجموعة من الملائكة .. وآخرين لا أعرف من هم. توسلت بهم أن يعيدوني إلى الحياة، من أجل زوجتي التي لا تزال صغيرة وولدي الذي لم يرَ النور بعد. لقد كانت زوجتي حاملا في شهرها الثالث. مرت عدة دقائق أخرى. جاء أحد الملائكة يحمل شيئا يشبه شاشة التلفاز. أخبرني أن التوقيت بين الدنيا والآخرة يختلف كثيرا. الدقائق هنا تعادل الكثير من الأيام هناك.
"تستطيع أن تطمئن عليهم من هنا".
قام بتشغيل الشاشة، فظهرت زوجتي مباشرةً تحمل طفلاً صغيراً !
الصورة كانت مسرعة جداً. الزمن كان يتغير كل دقيقة كان ابني يكبر ويكبر. وكل شيء يتغير. غيرت زوجتي الأثاث، استطاعت أن تحصل على مرتبي التقاعدي، دخل ابني للمدرسة، تزوج أخوتي الواحد تلو الآخر. أصبح للجميع حياته الخاصة. مرت الكثير من الحوادث. وفي زحمة الحركة والصورة المشوشة؛ لاحظت شيئاً ثابتاً في الخلف، يبدو كالظل الأسود. مرت دقائق كثيرة، ولا يزال الظل ذاته في جميع الصور. كانت تمر هنالك السنوات. كان الظل يصغر ويخفت. ناديت على أحد الملائكة. توسلته أن يقرب لي هذا الظل حتى أراه جيدا، لقد كان ملاكا عطوفاً. لم يقم فقط بتقريب الصورة، بل عرض المشهد بذات التوقيت الأرضي. ولا ازال هنا قابعاً في مكاني. منذ خمسة عشر عاما، أشاهد هذا الظل يبكي فأبكي. لقد كان هذا الظل.. أمي". 

عذرا أيها الشهداء النبلاء، عذرا لنسائكم وأبنائكم، لآس قبوركم لأننا احتفظنا بأجسادنا كاملة، وسمحنا لطبقة الأثرياء الجديدة أن تمر بمواكب سياراتها الفارهة في جثة بطولاتكم

تبدو هذه الأسطر الأكثر صدقا ونحن نقترب من الذكرى الثامنة للأزمة السورية المستمرة حتى اليوم. 
بحثت كثيرا عن صاحب هذه الكلمات على مواقع التواصل الاجتماعي، جميع من قام بنشرها (صفحات وأفراد)  لم يذكر صاحبها ربما استشهد هو الآخر. 
ولكن هل من المهم حقا معرفة اسمه؟
الجرح الوطني لا يزال عميقا نازفا وبقعة الدم الممتدة من أقصى الوطن إلى الوطن لم تجف بعد. والكارثة فضائحية بمئات الألوف من الشهداء ومثلهم من مصابي الحرب والمفقودين، وببنية تحتية ومدن شبه مدمرة تحول ما تبقى من سكانها الأحياء إلى نازحين داخل الوطن وخارجه أو لاجئين في دول ساهمت بشكل عضوي بتزكية نار الحرب. يتم تجاذبها بين مولاة ومعارضة، ومع حلف ضد آخر، وبقواعد اشتباك متحركة تصبح فيه الذرائعية السياسية منهجا مقدسا لتركة مدنسة. 
هذا الوطن الذي غدا مستنقعا لأفكار الأسنة وطحالب الانتماء التقسيمية ومفخخات مثقفيه الجبناء، يتغذى عليه ذباب السوق السوداء من السمامرة وتجار الحروب والأصوليين القوميين والأسلاميين والحنجوريين أقزام الإعلام من أصحاب الشعارات ممن أدمنوا كذباتهم حتى صدقوها. مكررين ومروجين لفكرة المؤامرة التي كانت واقعا حولت سوريا إلى مكب نفايات دولي ومسرحا لنشر مذهب التكفير وتطبيقه عمليا حاصدا كما هي غزوات التتر البلاد والعباد قاومه الشعب بجيشه الوطني الباسل وتمكن من هزيمته. وفاضحا لمارد توهمناه تم تقزيمه حتى صار إلى ديك يبلغنا نواميس الاعتدال والاعتلال العرفي ويحولنا إلى دجاج يقتات على الرأسمال ضائعين بين الأمل والضعة والتصفيق والبطولات الانهزامية. 
أذكر جيدا تلك الأيام حين دخلنا الربيع العربي المشؤوم كنا نتستر خلف أصبعنا المكسور واليوم فضح فقراء البلد كل شيء. 
فعذرا أيها الشهداء النبلاء، عذرا لنسائكم وأبنائكم، لآس قبوركم لأننا احتفظنا بأجسادنا كاملة، وسمحنا لطبقة الأثرياء الجديدة أن تمر بمواكب سياراتها الفارهة في جثة بطولاتكم. 
عذرا لأننا علمنا متأخرين أي وطن يجدر بنا خيانته كما أخبرنا الماغوط:
"إني لست مخلصاً لوطني وعروبتي وأناشيدي المدرسية وحسب بل إنني لست مخلصا حتى لسعالي.
ولن أيأس ولن استسلم ما دام هناك عربيٌّ واحدٌ يقول: لا في هذه المرحلة ولو لزوجته."