'الأخبار في عصر الآلة' ومستقبل العمل الصحفي

الإصدار الجديد للدكتور خالد محمد غازي يستعرض التحوّلات الجذرية التي أحدثتها الأنظمة الذكية في الاعلام الرقمي، مؤكدا على أهمية التكامل بين التكنولوجيا والحس البشري لضمان مصداقية العمل الصحفي وأخلاقياته في مواجهة تحديات الآتي.

أصبحت التكنولوجيا بكل أشكالها ووسائلها جزءًا لا يتجزأ من واقعنا اليومي، حيث ساهمت في تشكيل معالم حياتنا وتحديد تفاصيلها، ولم تكن صناعة الصحافة بمنأى عن هذا التأثير، حيث فرضت التقنيات الحديثة هيمنتها على مفهوم الصحافة، الذي شهد تحولًا جذريًا، بعد أن تشابكت مبادئه التقليدية مع الابتكارات التكنولوجية، لتشكل ما نعرفه اليوم بالصحافة الإلكترونية.

ولقد سارع الذكاء الاصطناعي بعد ظهوره من وتيرة هذا التحوُّل، حيث مكّن الصحافة الإلكترونية من تعزيز قدراتها، وتحسين عمليات إنتاج وتوزيع المحتوى الإعلامي، وتحليل البيانات الضخمة، وتخصيص المحتوى وفقًا لاهتمامات الجمهور، ومن هنا أُثيرت بعض التحديات والتساؤلات: كيف يمكن تحقيق التوازن بين الآلة والإنسان في العمل الصحفي؟ هل يمكن أن يحل الروبوتات محل الصحفيين البشريين؟ كيف يمكن ضمان حيادية وموضوعية الأخبار المنتجة من قبل الأنظمة الاصطناعية؟

انطلاقًا من هذه التساؤلات، يحاول د. خالد محمد غازي في كتابه "الأخبار في عصر الآلة"، الصادر حديثًا عن وكالة الصحافة العربية- ناشرون، استكشاف مستقبل الصحافة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، بدءًا من المفاهيم والأسس الأساسية، وصولاً إلى استعراض المستقبل المحتمل والتحديات والمخاطر المرتبطة بهذه الظواهر الناشئة، مناقشًا طرق تحسين تجربة المستخدم وتخصيص المحتوى.

ويستعرض في بداية كتابه الرحلة التاريخية للصحافة الإلكترونية، فيعرّفها بأنها فرع من فروع الصحافة، يتعامل بشكل أساسي مع إنتاج ونشر وتوزيع الأخبار والمعلومات، عبر الوسائط الرقمية والإنترنت، وإذا كانت الصحافة التقليدية تعتمد بشكل أساسي على الصحف الورقية لنقل الأحداث والأخبار إلى الجمهور، فإن وسائل الصحافة الإلكترونية تتضمن المواقع الإلكترونية للأخبار والمجلات الرقمية، والمدونات، ومنصات التواصل الاجتماعي، والتطبيقات الجوالة، وتضمن للقراء سرعة الوصول إلى المحتوى عبر الإنترنت بشكل فوري، والتفاعل معه من خلال التعليقات والمشاركات.

 وتمكِّن الصحافة الإلكترونية الصحفيين من نشر محتوى متعدد الوسائط، مثل النصوص والصور ومقاطع الفيديو، إلا أنها تفرض عليهم ضغوطًا جديدة، مثل سرعة تقييم المصادر والتحقق من صحة المعلومات في زمن قصير جدًا، حيث تُسابق المواقع زمن الثواني، لتقديم الجديد والحصري لقرائها، وهذا السباق يفرض على الصحفيين التحقق من المعلومات، وفي الوقت نفسه الإسراع في نشرها، وقد يؤدي التقصير في هذه المهمة إلى نشر أخبار غير دقيقة أو معلومات مضللة، وهو ما قد يضر بسمعة المنصة الإلكترونية، وثقة القراء فيها.

 وفي السياق ذاته، يتطرق الكاتب إلى مفهوم صحافة الخط الساخن، التي تقدم تغطية مباشرة ومستمرة للأخبار والأحداث، من خلال تقنيات البث المباشر، والتحديثات المتتابعة على منصات وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت، ويستخدم الصحفيون هذا النمط، لنقل المعلومات الحية والدقيقة للجمهور في الوقت الفعلي، بهدف تسليط الضوء على جوانب الأحداث، التي لم تتم تغطيتها بشكل كامل في الأخبار التقليدية، ويمكنها أيضًا تحليل الأوضاع الحالية، وتزويد القرّاء بالتفسيرات والسياق الضروري لفهم الأحداث بشكل أفضل.

 ويخصص الكاتب الجزء الأكبر من كتابه، لدراسة الذكاء الاصطناعي وتوظيفه في صناعة الصحافة، مسلطًا الضوء على بعض التطبيقات التي يمكن أن يستعين بها الصحفيون في عملهم، ومنها تحليل البيانات الكبيرة، والتي تسمح بفهم أنماط القراءة والمشاهدة بشكل أفضل، وأشهر هذه الأدوات "Google Analytics"، والتي يعتمد عليها محترفو صناعة الإعلام، لفهم كيفية تفاعل الجمهور مع المحتوى عبر الويب، حيث أنها توفر معلومات عن معدلات الارتداد، ومدة الجلسات، والصفحات الأكثر شعبية، مما يمنح القائمين على التحرير الصحفي فهمًا عميقًا للمحتوى، الذي يجذب الجمهور وينال اهتمامه.

وكذلك أدوات تحليل المحتوى وSEO، حيث تتميز بعض الأدوات الذكية بالقدرة على تحليل المحتوى، وإعطاء توجيهات حول كيفية تحسين SEO، فيمكن لهذه الأنظمة التعرف على الكلمات الرئيسية، وتقديم توصيات حول الكثافة المثلى لها في المقال، ويمكن لبعض هذه الأدوات تحليل النص، واقتراح تحسينات تتناسب مع جمهور المحتوى.

بالإضافة إلى أدوات الترجمة الآلية والفورية، والتي تعمل على تحقيق ترجمة المحتوى الصحفي إلى لغات متعددة بسرعة ودقة، مما يساهم في توسيع دائرة الوصول إلى المعلومات، وتعزيز التواصل والتفاهم بين الثقافات المختلفة. وتمثل الترجمة الآلية إنجازا هاما في عالم الاتصالات العالمي، فتحديات اللغة لم تعد حاجزًا لفهم الأحداث والمعلومات الهامة.

ولا يُغفل الكاتب الإشارة إلى تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المُعزز، والتي تقدم فرصًا متعددة، لتقديم المحتوى بطرق تفاعلية وذات قيمة مُضافة؛ وذلك من خلال استخدام تجربة الواقع الافتراضي في تغطية الأحداث، والتي تنقل المستخدمين مباشرةً إلى مواقع الأحداث الحالية، عن طريق ارتداء نظارات الواقع الافتراضي، مما يمكن القرّاء من أن يشاهدوا الأحداث وكأنهم في الموقع نفسه، وأن يتفاعلوا مع المحيط، أو من خلال استخدام تجربة الواقع المُعزز في إضفاء عمق إلى القصص، لتحسين قراءة التقارير والمقالات والقصص الصحفية، وذلك عن طريق استخدام تطبيقات الهواتف الذكية، لتمرير هواتفهم فوق صور القصص المطبوعة لعرض محتوى إضافي، مثل مقاطع فيديو توضيحية أو روابط تفاعلية.

إلا أن هذه الإمكانيات الهائلة لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الصحافة الإلكترونية أثارت معها العديد من الإشكاليات، أهمها ضرورة التحكم البشري في جميع مراحل إعداد وإنتاج الأخبار، حيث أن الذكاء الاصطناعي يعتمد بشكل أساسي على البيانات المُدخلة إليه، مما يمكن أن يؤدي إلى أخطاء أو انحيازات، كما تظهر مشكلة أخرى وهي المعلومات المتسربة التي أصبحت أسرع وأوسع انتشارًا، في ظل تزايد الاعتماد على الشبكات الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، لذا يتوجب على القائمين على وسائل الإعلام والصحفيين تطوير استراتيجيات فعالة، للتعامل مع المعلومات المتسربة.

وهنا تجدر الإشارة إلى جانب مظلم آخر من الذكاء الاصطناعي، وهو الألغوريثمات التي قد تُسهم في نشر الأخبار الكاذبة، وتصاعد الاقتصار على الرأي، مما يمكن أن يُشكل تهديداً حقيقياً للديمقراطية، فلابد من فرض رقابة صارمة وأخلاقيات قوية، عند تطبيق هذه التكنولوجيا، فالألغوريثمات، مهما كانت متطورة، يمكن أن تكون معرضة للأخطاء، أو تكون مشوبة بتحيزات ناتجة عن البيانات التي تم تدريبها عليها.

وفي هذا السياق، يشدد المؤلف على ضرورة تطوير أخلاقيات تصميم الذكاء الاصطناعي، لضمان التوافق مع مبادئ العمل الصحفي وقيمه العليا، مثل الشفافية، المصداقية، والدقة. ويمكن ذلك من خلال توضيح الآليات والمعايير التي يعتمد عليها نظام الذكاء الاصطناعي، لضمان موضوعية الأخبار والمعلومات التي نتلقاها، ومصداقيتها.

وفيما يتعلق بالتساؤلات المطروحة بشأن إمكانية إحلال الآلة محل العنصر البشري في صناعة الصحافة والإعلام، يرى المؤلف أن تقنيات الذكاء الاصطناعي ليست إلا وسيلة مساندة للصحفيين، ولا يمكن أن تكون بديلاً كاملاً عن العنصر البشري، فالأدوات التقنية مهما تطورت تفتقد الحس البشري والفطنة الصحفية، كما أنها غير قادرة على التحليل النقدي والتفاعل مع الأحداث، ولضمان الاستخدام الأمثل لها في هذا المجال، لابد من التدخل البشري في جميع مراحل إعداد وإنتاج الأخبار، بدءًا من مراحل جمع المعلومات وتحليلها وصولًا إلى مرحلة النشر النهائية.