الاعلام في زمن الحرب ناقل حقيقة أم وسيلة تعبئة

 الإعلام القوي ليس ذاك الذي يصرخ أعلى، بل هو الذي يشرح أعمق وأكثر صدقاً، ويطرح الأسئلة الصعبة، ويدافع عن الحق في المعرفة دون أن يتحول إلى أداة للصراع.

بين مواجهة التحديات الأخلاقية والمهنية المركّبة، يلعب الإعلام وجنوده المدججون بالكلمة، دوراً كبيراً ومحورياً، في نقل ما يحدث على أرض الواقع في اختبار حساس ودقيق لشجاعتهم واحترامهم لأخلاقيات مهنتهم.

فبين السبق الصحافي وضغط الوقت، وبين الالتزام بالحقيقة والمسؤولية الإنسانية، يجدون أنفسهم أمام امتحان صعب لمصداقيتهم وانتماءاتهم، إذ قد يؤدي التسرع في نشر المعلومات غير المؤكدة، إلى إرباك المشهد العام وترويع المتلقين من ناحية أخرى، وبطبيعة الحال، فإن مهمة الإعلامي، توثيق الانتهاكات الإنسانية وإيصال صوت المدنيين المتضررين إلى العالم، ولربما شُخصت هذه المهمة، بأنها من أهم وأبرز أدوار الإعلام؛ فالصور والتقارير الميدانية قادرة على تحريك الرأي العام الدولي، وتأجيج المواقف ودفع المنظمات الإنسانية والحكومات إلى اتخاذ مواقف أو إجراءات، غير أن هذا الدور الإنساني قد يُفرغ من مضمونه حين يُستغل الإعلام كأداة دعائية، أو حين تُنتقى الأحداث بطريقة مزاجية لتخدم أجندات سياسية معينة.

هنا تبرز أهمية الإعلام المسؤول الذي يوازن بين نقل الحدث وتحليله، دون السقوط في فخ التحريض أو التهويل؛ فالإعلام التحليلي الرصين لا يكتفي بعرض المشاهد الصادمة، بل يسعى إلى تفسير السياق، وشرح الخلفيات التاريخية والسياسية، وإبراز تعقيدات الصراع، بما يساعد المتلقي على فهم أعمق بعيداً عن الانفعال الآني.

ومثل أي مهنة أو تجربة، برزت بعض النماذج الإعلامية الإيجابية في المنطقة العربية، ومنها التجربة الإعلامية لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي سعت في تغطيتها للصراعات إلى تبني خطاب عقلاني يركز على الحلول السياسية والجهود الإنسانية، فقد أولت وسائل الإعلام الإماراتية اهتماماً واضحاً بالجوانب الإنسانية للنزاعات، مسلطة الضوء على معاناة المدنيين، وداعمة في الوقت ذاته مبادرات السلام والحوار، بعيداً عن خطاب الكراهية أو الاستقطاب الحاد.

كما لعب الإعلام الإماراتي دوراً مهماً في إبراز الجهود الإنسانية التي تقدمها الدولة في مناطق النزاع، من خلال تغطية المساعدات الإغاثية، ودعم اللاجئين، والمشاركة في إعادة الإعمار؛ هذا النوع من التغطية لا يهدف إلى الترويج بقدر ما يعكس رؤية إعلامية تعتبر الإنسان محور الخبر، وتؤمن بأن للإعلام دوراً أخلاقياً يتجاوز حدود السياسة.

في الجهة الأخرى للموضوع، فلا يمكن تجاهل التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في زمن الحروب، حيث أصبح كل فرد مراسلاً محتملاً لأنه قادر على إيصال الحدث بشكل أو بآخر، ورغم ما توفره هذه المنصات من سرعة وانتشار كبير وسريع، فهي أيضاً تفتح الباب أمام الشائعات والمعلومات المضللة، والمقاطع المفبركة، والتي أصبحت موضة العصر، ما يفرض على الإعلام المهني مسؤولية مضاعفة في التحقق والتدقيق قبل النشر، وتصحيح المعلومات الخاطئة؛ فالمتلقي أياً كان مستواه التعليمي، يبقى مثل الأرض التي يمكن أن نزرع فيها ما يحلو لنا، وهكذا هي الأخبار المضللة.

إن مستقبل الإعلام في زمن الحروب مرهون بقدرته على استعادة ثقة الجمهور، وذلك عبر الالتزام بالمهنية، واحترام عقل المتلقي، والابتعاد عن الإثارة الرخيصة والأخبار الصفراء؛ فالإعلام القوي ليس ذاك الذي يصرخ أعلى، بل هو الذي يشرح أعمق وأكثر صدقاً، ويطرح الأسئلة الصعبة، ويدافع عن الحق في المعرفة دون أن يتحول إلى أداة للصراع، أو 'كماشة نار'، فالإعلام الذي يختار المهنية والإنسانية يساهم في بناء وعي إنما هو يدعم السلام، بينما الإعلام الذي ينحاز للتحريض، يتحول إلى شريك في إطالة أمد الصراع وتأجيجه، وبين هذا وذاك، تقع مسؤولية تاريخية على عاتق الصحافيين والمؤسسات الإعلامية بأن يكونوا شهوداً أمناء على الألم الإنساني، أو مجرد صدى للضجيج.

وفي عالم يئن من ثقل الصراعات، يبقى الإعلام الواعي أحد آخر الخطوط الفاصلة بين السلم والفوضى، وبين الحرب كحدث، والحرب كخطاب دائم.