البحر الأحمر يعود إلى واجهة التوترات بعد تهديدات حوثية
صنعاء – أعلنت جماعة الحوثي اليمنية، المتحالفة مع إيران، اليوم الاثنين أنها ستمنع السفن المرتبطة بإسرائيل من دخول البحر الأحمر، في خطوة قالت إنها تأتي ردًا على تجدد الهجمات الإسرائيلية ضد إيران، ما يثير مخاوف جديدة بشأن أمن الملاحة البحرية العالمية وتدفقات الطاقة.
وتنذر هذه التطورات بتوسع التوتر في واحد من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية لنقل النفط والتجارة الدولية. وأدى إغلاق مضيق هرمز من جانب إيران، عقب هجمات إسرائيل والولايات المتحدة في 28 فبراير/شباط، إلى تعطيل جزء كبير من صادرات النفط والطاقة من منطقة الخليج، ما تسبب في ارتفاع الأسعار وصدمة في الأسواق العالمية.
وفي المقابل، لجأت السعودية إلى تحويل أكثر من 70 بالمئة من صادراتها اليومية من النفط الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، في محاولة لتقليل أثر الاضطرابات وضمان استمرار تدفق الإمدادات.
ورغم أن هذه الخطوة ساعدت في تهدئة الأسواق نسبيًا، إلا أن استمرار التوترات يجعل استقرار الإمدادات عرضة لمخاطر متزايدة.
ويحذر مراقبون من أن أي تعطيل مستمر لحركة الملاحة في البحر الأحمر، سواء عبر استهداف السفن أو الموانئ، قد يؤدي إلى أزمة كبيرة في سلاسل الإمداد العالمية.
وكان الحوثيون قد نفذوا خلال حرب غزة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 هجمات على سفن في البحر الأحمر، ما دفع شركات شحن كبرى إلى تغيير مساراتها عبر الالتفاف حول القارة الإفريقية، في رحلات أطول وأكثر تكلفة.
لكن في ذلك الوقت، كانت صادرات النفط الخليجية أقل تأثرًا مقارنة بالوضع الحالي، حيث كانت الشحنات لا تزال تتدفق عبر أكثر من مسار. ونقلت وكالة "رويترز" عن مصدر داخل جماعة الحوثي أن منع السفن المرتبطة بالدولة العبرية يعد "خطوة أولى"، محذرًا من أنه في حال استمرار التصعيد، قد يتم توسيع الحظر ليشمل سفنًا متجهة إلى إسرائيل، إضافة إلى إجراءات أخرى.
وخلال حرب غزة، قالت الجماعة إن استهدافها للسفن يأتي ضمن دعمها للفلسطينيين، واستهدفت سفنًا مرتبطة بإسرائيل أو شركات تستخدم الموانئ الإسرائيلية، ما أدى إلى تراجع كبير في استخدام مسار البحر الأحمر من قبل شركات الشحن العالمية.
ظهرت جماعة الحوثيين كحركة دينية وسياسية وعسكرية في شمال اليمن في تسعينيات القرن الماضي، وخاضت لاحقًا صراعات مسلحة مع الحكومة اليمنية في صنعاء.
وينتمي الحوثيون إلى الطائفة الزيدية الشيعية، وقد عززوا علاقاتهم مع إيران بعد اندلاع احتجاجات الربيع العربي عام 2011، مستفيدين من حالة عدم الاستقرار للسيطرة على العاصمة صنعاء في عام 2014، وهو ما أدى إلى انهيار مسار الانتقال السياسي المدعوم إقليميًا.
وبعد سيطرة الحوثيين على صنعاء، أطلقت السعودية وحلفاؤها العرب تحالفًا عسكريًا بهدف إعادة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، في حرب سرعان ما تحولت إلى صراع إقليمي معقد.
وخلال سنوات الحرب، شن الحوثيون هجمات بصواريخ وطائرات مسيرة على منشآت نفطية وبنية تحتية في السعودية والإمارات، قبل أن تدخل الأطراف في هدنة عام 2022 صمدت إلى حد كبير رغم التوترات المتقطعة.
تدعم إيران الحوثيين ضمن ما يعرف بـ"محور المقاومة" الذي يضم أيضًا حزب الله اللبناني وفصائل شيعية في العراق، إلا أن طبيعة العلاقة بين طهران والجماعة اليمنية توصف بأنها أقل تنظيمًا من علاقاتها مع حلفاء آخرين.
ولا يعترف الحوثيون بالمرجعية الدينية العليا للمرشد الإيراني، على عكس بعض الجماعات الأخرى المدعومة من طهران، رغم التقاطع السياسي والأيديولوجي بين الطرفين.
وتتهم الولايات المتحدة إيران بتقديم الدعم العسكري والمالي والتقني للحوثيين عبر قنوات مختلفة، بينما تنفي الجماعة أي تبعية مباشرة، مؤكدة أنها تطور قدراتها العسكرية بشكل مستقل.
بعد هجوم حركة "حماس" على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تبعه من حرب إسرائيلية مدمرة على قطاع غزة، بدأ الحوثيون إطلاق صواريخ على إسرائيل واستهداف سفن في البحر الأحمر، معلنين أن تحركاتهم تأتي دعمًا للفلسطينيين.
وأدت هذه الهجمات إلى اضطراب كبير في حركة الشحن العالمي، ما دفع شركات كبرى مثل "ميرسك" و"هاباغ-لويد" إلى تغيير مساراتها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، رغم تكلفته العالية وطول مدته.
وقادت الولايات المتحدة تحالفًا دوليًا لضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر، تضمن عمليات عسكرية دفاعية وهجمات على مواقع تابعة للحوثيين، أسفرت عن إسقاط مئات الطائرات المسيّرة والصواريخ.
ورغم هذه الجهود، استمرت بعض الهجمات المتفرقة حتى العام الماضي، قبل أن تتراجع حدتها مع التهدئة النسبية في غزة في أكتوبر/تشرين الأول.
ويرى محللون أن تردد الحوثيين في التصعيد الكامل قد يرتبط بحسابات إقليمية دقيقة، بينها استخدام ورقة البحر الأحمر للضغط دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
كما تشير تقديرات أخرى إلى أن الجماعة تحاول تجنب استعداء قوى إقليمية مؤثرة مثل السعودية، إضافة إلى الحفاظ على هامش مناورة سياسي وعسكري في ظل تعقيدات الصراع الإقليمي الأوسع.