'البحر البعيد' مأساة عربية أقرب لمزاد الإنتاج الأوروبي من واقعها
تدور أحداث الفيلم السينمائي "البحر البعيد" للمخرج سعيد حميش بن العربي حول الشاب نور الذي يهاجر في سن السابعة والعشرين بطريقة غير شرعية إلى مدينة مرسيليا، حيث يعيش حياة هامشية لكنها مشحونة بالاحتفالات والأصدقاء، ويقتات من تجارة بسيطة. غير أن لقائه بالشرطي المزاجي صاحب الكاريزما سيرج وزوجته نويمي سيغير مجرى حياته بالكامل. وعلى امتداد عقد كامل من الزمن ما بين 1990 و2000، يعيش نور الحب، ويتقدم في العمر، ويتمسك بأحلامه رغم كل التحولات.
الفيلم من سيناريو سعيد حميش بن العربي، ومن إنتاج مون فلوري للإنتاج. وتولى إدارة التصوير توم هاراري، بينما أشرف على الصوت كل من فرونسوا عبد النور، فرونسوا أوبيني، دافيد جيلان، ووضع الموسيقى (بولين رامبو دو بارالون)، وتكفل بالمونتاج ليليان كورباي. وتجسد الأدوار الرئيسية نخبة من الممثلين هم: أيوب كريطع، كريكوار كولان، وآنا موكلاليس.
يعيد فيلم "البحر البعيد" تدوير الحلم المتوسطي القديم، أي مهاجر شاب يبحر نحو أوروبا، يحلم بالخلاص، ليجد نفسَه عالقًا بين حبٍّ لا يكتمل، وشرطةٍ لا ترحم، وحنينٍ متجدد إلى أرضٍ لا ترحّب به حين يعود إليها. ويعتمد بكل أريحية على سلطة الحنين، ليمدّنا بوصفة جاهزة، مضمونة القبول في المهرجانات الأوروبية: عربيٌ ضائع، موسيقى راي مُبكية، مرسيليا بشوارعها القاسية، وعائلة مغربية محافظة، ويستثمر كل ذلك بثقة من يعرف أنّ السوق الدولي أصبح يفضّل هذه الوجبات العاطفية السريعة: مأساة شخصية قابلة للتسويق، تخلو من مساءلة حقيقية للغرب وسياساته. ويتماهى العمل مع تصورٍ بصريّ لبؤس أنيق، لا يزعج الذوق الأوروبي، وإنما يطمئنه إلى أن المهاجر لا يزال بحاجة إلى حضنه. وينجح في ذلك لأنه ينسخ قواعد لعبة فنية رائجة، وجعٌ جميل، وفقرٌ مصوَّر بألوان السينما الراقية.
ويرسم السيناريو مسار نور الدين، مهاجر من المغرب يصل إلى مرسيليا سنة 1990، ليقع مباشرةً في فخّ الاندماج عبر الانحراف، ويُجسّد شبابًا طائشًا يرقص في الليل، ويبيع المسروقات نهارًا، وكأنّ الهجرة لا تبدأ إلا بالخطأ. ويتابع شخصيات جزائرية ومغربية وفرنسية، جميعها تبحث عن شيء لا نعرف ما هو بالضبط، لكننا متأكدون أنّه لن يُعثر عليه. ويختزل قضايا الهجرة في وجعٍ عاطفي وأخلاقي، دون أي بعد سياسي يزعج شركاء الإنتاج.ويؤكد انسداد المستقبل عبر إدخالات سريعة للشرطة والعنصرية والمجهول، دون تعمق أو تحليل. ويقترح في النهاية أن الضياع قدر، وأن الوطن والمهجر وجهان لنفس الخيبة، وهذا مريح جدًا للتمويل الأجنبي.
ويقدّم المخرج كاميرا عاشقة للبحر أكثر من شخصياته، فالموج حاضرٌ دومًا كرمز جاهز للحرية والأسى. يُسيّر الأحداث على إيقاع موسيقى الراي، لأن الحنين لا يكفيه الحكي، بل يحتاج إلى موسيقى تبكي نيابة عن السيناريو.ويبحث عن جمالية الألم، فيُظهر مرسيليا كمدينة ساحرة تعاقب زائريها ببطء.يبتعد عن مساءلة البنى العميقة للصراع، ليبقى المشكل في الحياة نفسها، قدر قاسٍ ومدينة أكثر قسوة.يسجّل حضورًا بصريًا متماسكًا، لكنه يطفو فوق السطح، لا يسبح في العمق إلا بمقدار ما يتطلبه المهرجان. ويعتمد تقشفًا في الحوار، لأن الصمت على ما يبدو أكثر فائدة تجاريًا من النقاش السياسي.
ويقاوم أيوب كريطع الفراغ الدرامي بشخصية نور الدين، فينقذ ما يمكن إنقاذه بنظرات ضائعة مقنعة جدًا، كما يُظهر الجزائري عمر بولعكيربة حضورًا مؤثرًا، لا لشيء سوى لأن وحدته تشبه وحدتنا جميعًا و.تتردد آنا موغلالي بين حبٍّ مستحيل وطقوس الإقامة القانونية، وكأن العاطفة ترف إداري، بينما يتأرجح غريغوار كولان كمفتش شرطة بين الضحية والمنقذ، في دور يريح الغرب أيضًا، أي الفرنسي طيّب.. نسبيًتا، في حين يربط الممثلون شخصياتهم بالواقع، لكن الواقع نفسه قد تم تلميعه لصالح قصة قابلة للاستهلاكن ويُهمّش أداء الممثلين فجأة أمام خطاب الفيلم، فالضياع قدر لا مناص منه، وهذا مُربح سينمائيا.
يُعبّر الفيلم عن تشابك العلاقات بشكل يبدو معقدًا في الوهلة الأولى، لكنه سرعان ما يحسم لصالح العبث، حينما يتلاعب بالمصائر وفق منطق المزاج، عوض منطق التاريخ أو الصراع الطبقي أو الاندماج الثقافي، ويجعل من نور الدين إنسانًا ضائعًا دومًا، لا يمتلك قرارًا، لأنه بكل بساطة ينجرف مع التيار مثل القارب في المشهد الأول ويرتّب العلاقات كلها على قاعدة، أن الحب لا يكمل، الصداقة لا تصمد، والوطن لا يرح، و.يحوّل الأم المغربية إلى مصدر دائم للضغط والصدمة، دون أي تعقيد بشري يمنحها روحًا.
ويستخدم الفيلم موسيقى الراي كعكاز درامي، تدعم المشهد حين يعجز السيناريو عن تفسير الألم، ليعيد البحر بصفته رمزًا للحياة والموت والحلم والخيبة، ويجبر المشاهد على قراءة المشهد الأول مرارًا، نظرة للبحر تكفي لشرح الدراما كلها، ويشغل الراي كرقصة ودمعة، ليتحول الحنين إلى ماركة فنية لا تستغني عنها هذه السينما.
ويُخفي الفيلم التفاصيل الدقيقة لمنتجيه، لكنه لا يُخفي أثر التمويل على الخطاب: مهاجر ضائع يحتاج أوروبا يختار قضايا الهجرة لأن السوق العالمي يعشق هذا النوع من الحكايات الآن يُكرّس نظرية لطيفة، أي أن المغرب طارد، فرنسا قاسية.. لكن ضرورية، وهي وصفة ناجحة للجوائز.يتواطأ فنيًا عبر تذويب الأسباب البنيوية للهجرة، ويترك اللوم للمصائر وحدها. ويُفضّل أن يكون الفيلم خطابًا إنسانيًا دون أن يسأل: ومن سمح لهذه الإنسانية أن تكون مشروطة بالأوراق؟ ويعزّز فكرة أن معاناة العرب تجارة رابحة، شرط أن تُسرد بلغة شاعرية وبكاميرا أنيقة.
يضع “البحر البعيد” نفسه في خانة السينما التي تُحبّها أوروبا: عربٌ يبحثون عن أنفسهم في شوارعها، ولا يجدونها. يمنح المهاجر فرصة للتعاطف، لكنه يسرق عنه حقه في طرح الأسئلة الكبرى. ينجح في خلق فيلم مؤثر بصريًا وعاطفيًا… لكنه يفشلفي خلق معنى جدي، فيحين يذكّر دائمًا بأن الضياع جميل، ما دام مصوّرًا بكاميرا أجنبية. يُثبت أن البحر لا يزال بعيدًا، وأن الطريق إلى الجوائز أقصر من الطريق إلى الحقيقة. ويترك لنا ابتسامة مرّة: لقد عشنا الوجع فعلًا، فلماذا نحتاج تذكرة سينما لنتأكّد من ذلك؟
ويعيد هذا الفيلم إنتاج الوصفة ذاتها التي رسّخها نبيل عيوش، أي تقديم المغرب كحقل تجارب اجتماعية مختلّة تُباع بسهولة في المزادات المهرجانية، حينما ينقل البؤس من خانة التحليل إلى خانة التسويق، تمامًا كما تفعل سينما الصورة السوداء التي تستمتع بمآسينا أكثر مما تبصر جذورها. ويختار قضايا حساسة ليقدّمها كفُرجة إكزوتيكية تُرضي النظرة الغربية للمجتمع الشرقي المضطهد. ويزاوج بين التجارة والإيديولوجيا، فيتخفّى بعباءة سينما المؤلف، بينما يرعى حسابات شباك التذاكر والمموِّلين. ويكرّر الأسلوب العيوشي في جلد المجتمع المغربي بلا سياق أو مركّبات فكرية. يثبت أن الاختلاف بينهما ليس في السينما… وغنما في الديكور الخارجي فقط.