البهجة في الهامش وفي المتن الأسى

عبده المصري ينتمي في ذائقته ووجدانه وفي لغته إلى جيل من الأدباء المصريين المهمومين بهموم مجتمعهم وهو يعيد التأكيد عبر ما حواه ديوانه الجديد 'على هامش البهجة' على المقولة الصادقة أن جوهر الشعر في كل اللغات واحد، وأن ما يجعلنا نستمتع بقصيدة من قصائد العربية الفصحى ونستملحها، هو نفسه ما يجعلنا ننتشي بقصيدة مُصاغة بعامية من العميات ونستحسنها.
السيد زرد
القاهرة

الشاعر عبده المصري يعيد التأكيد في أذهاننا، عبر ما حواه ديوانه الجديد "على هامش البهجة" من قصائد، على المقولة الصادقة أن جوهر الشعر في كل اللغات واحد، وأن ما يجعلنا نستمتع بقصيدة من قصائد العربية الفصحى ونستملحها، هو نفسه ما يجعلنا ننتشي بقصيدة مُصاغة بعامية من العميات ونستحسنها.  

قديمًا قال الشاعر العراقي الكبير جميل صدقي الزهاوي (1863 – 1936): إذا الشعر لم يهززك عند سماعهِ ــــ فليس خليقًا أن يُقال له شعرُ

وهو ما عبر عنه الشاعر والمسرحي المصري الراحل نجيب سرور (1932 – 1978) بالقول: الشعر مش بس لو كان مقفي وفصيح ــــ الشعر لو هز قلبي وقلبك شعر بصحيح.

 شاعرنا عبده المصري، ابن مدينة الإسماعيلية، واحد ممن أخلصوا لشعر العامية، ولم يكتبوا سواه في خلال علاقته الطويلة والحمية بالأدب، والتي امتدت لما يربو على أربعين عامًا، فأسلست القوافي والأوزان والدفق الوجداني قيادها له، بغير عنت أو اصطناع، وإنما بسلاسة ونعومة بادية في كل ما كتب.    

 وهو على الرغم من كل تلك السنوات الممتدة، التي لم ينقطع فيها، إلا لمامًا، عن الإبداع الشعري، ونُشرت أعماله منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي في مختلف الدوريات، وحظي بالتكريم، ونال عن أعماله عدد من الجوائز، لم يصدر له سوى ثلاثة دواوين سابقة على الديوان الذي بين أيدينا: ديوان "ضماير الغياب" 1998، وديوان "نسوان الصبح بدري" 2005، وديوان "الورد عابر سبيل" ٢٠١٧.

هوية الكاتب وكتاباته 

 ينتمي الشاعر عبده المصري، في ذائقته ووجدانه، وإلى حد كبير في لغته، إلى ذلك الجيل من الأدباء المصريين المهمومين – حقًا وصدقًا – بهموم مجتمعهم، والمعبرين عن الجموع الشعبية، في انحياز قاطع. فتتجلى في قصائد "على هامش البهجة" روح أبرز شعراء جيل الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم: "عبد الرحمن الأبنودي"، و"أحمد فؤاد نجم"، و"سيد حجاب"، وقد جمعته ببعضهم علاقة شخصية مباشرة، فصرَّح بأسمائهم في قصائد الديوان: "الأبنودي" و"حجاب"، وأومأ إلى "نجم" فذكر محل سكناه الشهير "حوش قدم". ومن قبل هؤلاء أتى على ذكر متنبي العامية المصرية "فؤاد حداد"، الذي ارتضي شعراء العامية المصرية أبوته.    

 تتواشج جذور شاعرنا مع هذا الفريق من الشعراء، فنطالع قصائده في "على هامش البهجة" بسيطة وناصعة، يتخفى عمقها الشديد، خلف لغة منسابة بتدفق لاعج، وصور جلية، بلا ترميز أو تشفير لا محل له، أو تقعر مصطنع للتعمية على تشوش "الفكرة"، وسوء "الصنعة"، مستفيدًا من كل تقنيات الكتابة الحديثة التي دخلت على شعر العامية المصرية، والشعر بعامة.

دون جهد من المتلقي، تظهر هوية الشاعر وانتماءاته الاجتماعية ورؤاه، والتي تنعكس بمهارة على سطور قصائده. رسم الشاعر "بورتريهًا" ذاتيًا في آخر قصائد ديوانه الأخير:

اسمي عبده المصري ..

كاتب أشعار

ومحامي، وشيخ متجوز، وأعول

باحلم أحيانًا بحاجات أكبر من عمري ..

وأطول من مدة إيدي لفوق

...........

وكتبت عن الحاره والبيت

والناس الشقيانه والناس الدون

أخطائي كتير

ماتعدش      

 لقد ارتبط الشعر الشعبي وشعر العامية دومًا بالبسطاء، وما عاش من هذا اللون من الشعر هو ما استطاع التعبير عن وجدان جموع الناس ورصد آمالهم وآلامهم. والشاعر عبده المصري لا يني يُفْصِح عن انحيازه للبسطاء من بني وطنه دون أي لبس:

أنا باحب مصر ..     

مش مصر اللي بيغنوا لها في الأغاني

ولا بيهتفوا لها في ماتش كوره

ولا حفلات الرقص في الساحل

باحبها بعبلها  

البهجة في الهامش

 "على هامش البهجة" يدور حول آمال مجهضة لبشر يسكنون تلك البقعة من الأرض المسماة "مصر"، يألمون ويحلمون، وتنزاح البهجة بعيدًا عن حيواتهم، وإذا ما انبثق بصيص من البهجة أمامهم، فإنه يكون شحيحًا متنائيًا عن صلب حياتهم، يكاد يتوارى على هامش هذه الحياة، لكأن الحياة تعاقبهم لمجرد أنهم اجترأوا على أن يتمنوا ويحلموا:

غنينا كتير

ويمكن كانت أغانينا وأحلامنا

ذنوبنا

 رحل منهم من رحل، بالهجرة أو الموت، ومن بقي ظل يكابد العيش على أرض الوطن؛ حيث "الإيد قصيره/ والهموم كابسه":

يمشي فوق طينها اللي باقي

يشرب الشاي التقيل

ويغمس اللقمه اليتيمه

في الزاد القليل 

على حافة الحياة 

 ربما بسبب الحياة السخية بالآلام، الشحيحة في مباهجها، تتناهب الشاعر تساؤلات ومشاعر شتى، واقفًا عند الحد الفاصل بين الحياة والعدم، ويملؤه الشك حتى في وجوده ذاته:

"انت ميت واللا حي يا واد؟" (قصيدة لسه طعمها مالح) .."أنا من كتر ما شُفت/ فهمت/ أو يمكن ما فهمتش" (قصيدة النور النازل م العمدان) .. "بقيت باشك في روحي وتاريخي/ في السنين اللي مضت/ والشوارع اللي مشيت لأواخرها" (قصيدة بيبصوا علينا م السما) .. "بقيت أشك إن أنا أنا/ حتى وشي في المرايه ما اعرفوش/ بقيت أشك في انسياب النيل/ وموج البحر" (قصيدة بيبصوا علينا م السما) .. "انت متأكد/ متأكد من إيه؟/ مش عارف" (قصيدة خطوة أيامك ع الأسفلت) .. "انت خايف؟/ آه، ولأ/ انت شايف؟/ مش عمى لكن طشاش" (قصيدة صوت الربابه فى الغيطان).

 تطارد الشاعر عبده المصري الشكوك والتساؤلات، فلا يتوقف في قصائده عن طرح هذه الشكوك والتساؤلات ذات الطابع الوجودي: "انت مين؟/ كنت فاكر/ بس ساعات انسى اسمي/ لما بصيت في المرايه/ كان لحد ما اعرفوش/ يشبهك/ ما اقدرش أجزم/ بس فيه حبة ملامح" (قصيدة صوت الربابه في الغيطان) .. "طب ليه أنا كده/ وانتو كده؟" (قصيدة ضفايرها في الصور القديمة) .. "انت ما موتش؟/ لا والله/ أنا عايش/ مش بالظبط/ لكن ماشيه" (قصيدة بابص على ملامحي).

لغة وتقنيات

على الرغم من أن عامية عبده المصري تكاد تتماهى مع الفصحى، بالأخص في ألفاظها، وتنثال قصائد "على هامش البهجة"، فلا تصدم القارئ ألفاظ تنبوا عن معجم ألفاظ المصريين الذي يستعملونه في حياتهم اليومية، غير أننا نجزم أن أشعار الديون ما كان يمكن كتابتها إلا بالدارجة المصرية، ومرد ذلك إلى الثيمات والروح الشعبية التي تكتنفها.  

     تتخلل قصائد الديوان صور للحياة الشعبية وطقوسها الفلكلورية، وظَّفها الشاعر باقتدار، حيث نُطالع: "عشت زي الساحر الغلبان/ أملا بُقي جاز/ أشرب/ وانفخ الحسرة" .. "اخدت النفحة من إيد الشيخ" .. "كنت ساحر رَقَّص التعابين/ بس مات من قرصة الذكرى" .. "الجاره اللي بتسمِّي على بنت جارتها" .. "عيون الفقرا الحزنانه/ وهيا بتتجمع في الميادين/ رابطه راسها بمنديل/ وفارشه قدامها الفاس والأزميل".   

ويطل الكثير من مفردات الحياة الشعبية: ريح أمشير (أحد الشهور القبطية)، خد الجميل (حلوى شعبية)، الصوت الحياني (الصوت العالي)، لفة الملايه، المنديل بأويه (غطاء لرأس المرأة أوشك على الاندثار)، العديد (مراثي موقعة تنشدها النساء في صعيد مصر)، وغيرها.   

 لكن يظل ارتياد المقاهي، هو الطقس الأبرز الذي أعاد الشاعر التأكيد عليه مرارًا، إذ يحتل المقهى مكانة كبرى في حياة المصريين البسطاء، فهو مكان لقاء الأصدقاء، وتزجية الوقت، وشرفة لتأمل الناس وإيقاع الحياة، ويستخدمه بعض أرباب الحرف مقرًا لعقد اتفاقات العمل: "قعدة الصحاب ع القهاوي" .. "مابين قواشيط وبين مشاريب/ حلبه حصى وينسون" .. "يا قعدتي على قهوة الذكرى" .. "ويضيق رصيف القهوه/ ع الخلان" .. "في القهاوي اللي قعدت عليها" .. "قاعد على القهوه مستنِّي" .. "وناس ع القهوه/ تطحن حزنها في البن" .. "أنا المخلوع في سهره على القهوه" .. "ونعزم بعض/ على واحد سكر مظبوط في قهوه بعيده".            

في الديوان تضفير وتناص، في أكثر من موضع، مع طيف واسع شمل القصص القرآني، والأحداث التاريخية، والأغاني والمسرحيات القديمة، وقصائد من الشعر العامي والفصيح، بما يعكس ثقافة الشاعر الغنية والمنوعة. وما يعلي من جماليات هذا التناص أنه جاء عفويًا ومتوائمًا تمامًا مع سياق القصائد.

إن عنوان الديوان: "على هامش البهجة" يعبر بصدق عن فحواه، إذ يسود فيه الأسى والانكسار، على الرغم من المحاولات النبيلة والمشروعة للفوز ببعض الفرح والمسرة. وتجلت إلى حد بعيد موهبة الشاعر المتمرس في عدد من القصائد الرقراقة الأسيانة ذات الطابع الغنائي؛ مثل: "النور النازل م العمدان"، و"ما عدش فيه غير عيون"، و"الغنا طالع مع الروح"، والتي نختتم بالاقتباس منها:

كل واحد منَّا 

اختار جنته وناره

اللي ماشي فوق ترابها

واللي مِتْغَرَّب وسابها

واللي صابه ما أصابها

..........

المغني مات قتيل

والغُنا طالع مع الروح للسما

والسما كل ما تقرب بتبعد

والدموع في النهر تجري

تملا مواويلها أنين

قهر زي القطر ماشي

داس على راسك وراسي

داس على الروح اللي حبت

والدموع اللي استخبت

في المناديل اللي طارت

في الوداع