'التبوريدة' فن تقليدي يجمع الأجداد بالأحفاد في المغرب
الرباط - يمتهن الشاب المغربي سفيان بنزكري الفروسية التقليدية "التبوريدة" منذ أزيد من عقد من الزمن، وقد تتلمذ لسنوات على يد والده.
وتسلم بنزكري (23 عاما) مشعل "التبوريدة" من والده، وأصبح يشارك في المهرجانات والمسابقات الوطنية.
وتعتبر قصة بنزكري مثال على حرص الآباء على تعليم أولادهم التبوريدة للمحافظة على تراث يجمع بين الفروسية والشجاعة والفن التقليدي والتدريب.
ويعتبر فن "التبوريدة"، أو الفروسية التقليدية، من أبرز التعابير التراثية التي يزخر بها المغرب، إذ يجمع بين البعد الرمزي والجمالي والتاريخي، ويعكس تشبث المغاربة بهويتهم الثقافية المتنوعة وارتباطهم العميق بتقاليدهم الأصيلة.
ويمارس هذا الفن، المعروف أيضا بـ"الفانتازيا"، خلال المواسم والمناسبات الوطنية والدينية، حيث تتبارى فرق الفروسية، المعروفة بـ"السربات"، في عروض جماعية تجسد الانسجام بين الفارس وفرسه، وتبرز مهارات عالية في التحكم، التنسيق، ودقة التنفيذ.
وتتميز التبوريدة بطقوس دقيقة تبدأ باصطفاف السربة تحت قيادة "المقدم" الذي يتولى تنسيق الحركات والإشراف على سلامة الأداء، وتنطلق السربة على صهوات خيول مزينة، في حركة جماعية متناسقة، تنتهي بإطلاق طلقة نارية موحدة من البنادق التقليدية، في لحظة تعد ذروة العرض، وتعكس مدى التناسق والانضباط الجماعي.
والتبوريدة استعراض للفرسان يحاكي معارك التحرير واحتفالات الانتصار، إذ تنطلق الخيول في سباق لنحو مئة متر ينتهي بإطلاق النار في الهواء.
وترتبط قطاعات عدة بالتبوريدة مثل تربية الخيل وصناعة السروج، مما يجعل العديد من الحرفيين يتفننون وينقلون شغفهم بالخيول وتزيينها بما غلا ثمنه وحلا شكله.
ولا تزال التبوريدة حاضرة في أنحاء المغرب، بفضل حرص الآباء على نقل تجربتهم ومعارفهم إلى الأبناء. وتعرف مختلف مدن وقرى المملكة مهرجانات ومسابقات لـ"التبوريدة"، تشهد حضورا كبيرا للمواطنين، وتتخللها أنشطة أخرى موازية.
وتُعنى مؤسسات عدة، مثل الشركة الملكية لتشجيع الفرس (حكومية)، بهذه المسابقات التي تظهر ضمن أمور عدة مدى تحكم الفارس في جواده، وخلال استعراضات فرق الخيالة "البواردية" تنطلق أهازيج شعبية، منها "الطقطوقة" الجبلية ووصلات "النفار" وفرق "الطبالة" و"الغياطة" و"الكوامانجية".
وقال بنزكري للأناضول إن تعلمه أدبيات التبوريدة من والده حسن، الذي حرص على تلقينه الأمور كافة المتعلقة بها، مضيفا أن والده كان "مقدم سربة"، أي "رئيس فرقة خيول"، وحصل على هذه المرتبة بعد سنوات من العمل.
وتابع أن والده هو شيخه (معلمه)، خاصة أن الوصول إلى مرتبة "مقدم سربة" يتطلب التدرب على يد أستاذ التبوريدة"، قائلا "عندما كان والدي مقدم كان يدربني قبل المشاركة بالإقصائيات (المسابقات)".
وعدّد من ذلك "التدريب على الأرض وفوق الخيل، على أساس تعلم الفارس كيف يحمل البندقية، وألا تشكل خطورة عليه أو على الفرس أو الفارس المجاور له"، مشددا على ضرورة الحفاظ على هذا الموروث، لكي يكون بأحسن حلة مستقبلا.
وحرص بنزكري على المشاركة بمهرجان مدينة تيفلت الثقافي (شمال غرب) في يوليو/تموز الجاري، حيث تم تنظيم مسابقة التبوريدة بمشاركة أكثر من 50 سربة.
وعرفت هذه المسابقة حضورا كبيرا للجمهور، الذي يتفاعل خاصة حين يطلق الفرسان الطلقة من بنادقهم بشكل موحد.
ويعطي المقدم (رئيس الفرقة) إشارة انطلاق الفرسان لنحو 100 متر، تنتهي بإطلاق النار في الهواء بشكل موحد.
وقال سعيد الجمعاوي (42 عام) "مقدم سربة" في إقليم القنيطرة (شمال غرب) إن التبوريدة تتطلب خبرة وتجربة وتدريبا مستمرا، خاصة أن المسابقة تتطلب مراحل عدة.
وأضاف أنه يحرص على اصطحاب أبنائه في المسابقات للتعرف أكثر على هذا التراث، متابعا أنه ورث التبوريدة أبا عن جد، ويعمل على تلقين هذا التراث لأولاده، معتبرا أنه بمجرد الركوب فوق الخيل ينسى الفارس الجهد البدني والمالي، مشيرا إلى أنه بدأ في امتهان التبوريدة حين كان عمره 18 سنة.
وترتبط قطاعات عدة بالتبوريدة، خاصة الصناعة التقليدية مثل الملابس والسروج، فضلا عن تربية الخيول بمختلف أنواعها.
وتتمثل المرحلة الأولى من مسابقة التبوريدة في جمالية وتناسق ملابس الفرسان، لذلك تتفنن كل فرقة في اختيار ملابسها لونا وشكلا.
وترتبط زينة خيول التبوريدة وفرسانها في المغرب بشكل كبير بسروج تقليدية، يبدع الصناع التقليديون في حياكتها.
ومن بين الصناعات التقليدية أيضا أحذية الفرسان، التي تكون عادة طويلة ومصنوعة من الجلد.
وبحسب الشركة الملكية لتشجيع الفرس، في منشورات سابقة، يرتبط الفرس ارتباطا وثيقا بتاريخ المغاربة.
ويعتبر الفرس البربري أول سلالة بالمغرب، قبل أن يأتي العرب إلى المنطقة بسلالتهم الخاصة، أي الحصان العربي.
أما الفرس العربي- البربري، فجاء نتيجة تهجين بين هاتين السلالتين الأوليين، وكلاهما له القدرة على التأقلم مع محيطهما الطبيعي القاسي، الذي يقل فيه الكلأ.
واحتفظ المغاربة للفرس بمكانة متميزة، إذ يتعلقون به من باب حب الزينة والشغف، ويرتبطون به في الأعياد والحفلات والمواسم الشعبية ومهرجانات التبوريدة.
وفن التبوريدة قد تم إدراجه ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية من قبل منظمة اليونسكو في ديسمبر/كانون الأول 2021، وهو ما يعد محطة بارزة في مسار الاعتراف الدولي بالموروث الثقافي المغربي.
ويعكس هذا التصنيف المكانة الرمزية والفنية التي يحتلها هذا الفن التقليدي، باعتباره تجسيدا حيا لقيم الفروسية والهوية الجماعية، ودليلا على الغنى والتنوع اللذين يميزان التراث غير المادي للمملكة.
ومع فصل الصيف يشتد اهتمام المغاربة بفن التبوريدة في الحفلات والمهرجانات والمواسم، حتى أن هذا الفن الفرجوي يكاد يكون العلامة المميزة لهذه الاحتفالات، خاصة أنه يختلط بالكثير من الطقوس والدلالات التراثية العميقة.



