التزام روسي بالمشاريع المشتركة مع مصر وسط تقارب متزايد
القاهرة - تسعى مصر إلى تنويع تحالفاتها الدولية وتوسيع علاقاتها مع قوى كبرى، وعلى رأسها روسيا، بما يعكس توجهاً استراتيجياً نحو شراكات متعددة الأبعاد تخدم مصالح القاهرة السياسية والاقتصادية والأمنية وذلك في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل.
وجاءت الزيارة الرسمية التي قام بها نائب رئيس وزراء روسيا الاتحادية، أليكسي أوفيرتشوك، إلى القاهرة الثلاثاء، لتؤكد هذا التوجه، حيث بحث المسؤول الروسي مع وزير الخارجية المصري، بدر عبدالعاطي، سبل تعزيز التعاون الثنائي في إطار الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.
وخلال اللقاء، شددت موسكو على التزامها الكامل باستكمال المشاريع الاستراتيجية مع القاهرة، وفي مقدمتها مشروع المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ومحطة الضبعة النووية، اللذين يعدّان من أكبر وأهم المشاريع الثنائية بين البلدين.
وأكد أوفيرتشوك أن روسيا تنظر إلى مصر كشريك رئيسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأنها حريصة على تحويل الشراكة الحالية إلى نموذج للتعاون الدولي الناجح. كما أعرب وزير الخارجية المصري عن تقدير بلاده لمتانة العلاقات مع موسكو، مشيراً إلى أن مصر تدعم بشدة تفعيل هذه المشاريع وتقديم جميع التسهيلات لضمان نجاحها، خاصة في ظل ما تمثله من قيمة مضافة للاقتصاد الوطني المصري.
وبدأت المنطقة الصناعية الروسية، التي تعود فكرتها إلى عام 2014، تُفعَّل بشكل ملموس مع توقيع عقد الانتفاع بأرض المشروع خلال الدورة الخامسة عشرة للجنة المصرية الروسية المشتركة. ومن المنتظر أن تصبح هذه المنطقة منصة صناعية روسية كبرى تستهدف أسواق إفريقيا والعالم العربي، وهو ما يعزز من مكانة مصر كمركز إقليمي للتصنيع والتصدير.
أما محطة الضبعة النووية، التي تنفذها شركة "روساتوم" الروسية، فتمثل أول مشروع من نوعه في مصر لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية. ويعد هذا المشروع حجر أساس في خطة مصر لتنويع مصادر الطاقة وضمان أمنها الاستراتيجي على المدى الطويل، في ظل الطلب المتزايد على الطاقة والنمو السكاني والاقتصادي.
وشهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين تطوراً لافتاً في السنوات الأخيرة، حيث ارتفعت التجارة الثنائية بنسبة 32 في المائة خلال العام الماضي، لتتجاوز 9 مليارات دولار، وهو ما يعكس نمواً بنسبة 150 في المائة مقارنة بما كانت عليه قبل خمس سنوات فقط.
ويشمل التعاون بين الجانبين مجالات متعددة مثل النقل، والسياحة، والطيران المدني، حيث عبّر الوزير المصري عن ارتياحه للزيادة الملحوظة في أعداد السياح الروس الوافدين إلى مصر، ما يسهم في دعم القطاع السياحي المصري واستقطاب المزيد من الاستثمارات المرتبطة به.
وتأتي هذه التطورات في ظل واقع جيوسياسي مضطرب في المنطقة، لا سيما مع استمرار التصعيد الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، والدعم الأميركي اللامحدود لتلك السياسات، ما يدفع القاهرة إلى تعزيز علاقاتها مع قوى دولية تعتبرها أكثر اتزاناً في مقاربتها للأزمات الإقليمية.
وترى دوائر دبلوماسية في القاهرة أن الشراكة مع موسكو تتيح لمصر هامشاً أوسع من الحركة في علاقاتها الدولية، وتفتح لها آفاقاً جديدة بعيداً عن الاصطفافات التقليدية. كما أن التعاون المصري–الروسي يمثل أحد أوجه التوازن في السياسة الخارجية المصرية، التي تسعى إلى علاقات متوازنة مع جميع القوى الكبرى، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني.
الزيارة الروسية إلى القاهرة، وما رافقها من تأكيد على تنفيذ المشاريع الكبرى، لا تمثل فقط دعماً فنياً أو استثمارياً، بل تشير إلى توجه استراتيجي مشترك لتحويل العلاقة الثنائية إلى منصة تعاون إقليمي تمتد آثارها إلى إفريقيا والعالم العربي.
ومع استمرار التحولات الجيوسياسية وتفاقم الأزمات الإقليمية، تبدو مصر عازمة على تمتين روابطها مع شركاء موثوقين مثل روسيا، في مسعى لضمان الاستقرار الداخلي وتعزيز التنمية الاقتصادية، والبحث عن شركاء يمكن الاعتماد عليهم في الملفات الحساسة التي تتطلب مواقف ثابتة لا تخضع للابتزاز أو الضغوط.