الجدار الفاصل يتحول إلى 'مصيدة' للعمال الفلسطينيين
القدس - تحت وطأة البطالة والقيود الإسرائيلية المشددة، يجد العامل الفلسطيني نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الجوع أو المغامرة بحياته خلف الجدار الفاصل. وتعيد حادثة مقتل العامل زكريا قديس (44 عامًا) قرب بلدة الرام شمال القدس، تسليط الضوء على "طرق الموت" التي يسلكها العمال مجبرين لتأمين قوت أسرهم.
لم يكن زكريا يحمل سوى همّ إعالة أطفاله الأربعة، حين خرج فجرا كآلاف العمال الفلسطينيين محاولا اجتياز الجدار الفاصل للوصول إلى عمله داخل إسرائيل. لكن سعي قديس وراء الرزق انتهى برصاصة قاتلة في الرأس لتتحول رحلة البحث عن لقمة العيش إلى مشهد متجدد من معاناة العمال الفلسطينيين الذين يواجهون يوميًا خطر الموت أو الاعتقال.
ويحيط بمدينة القدس جدار من الأسمنت والأسلاك الشائكة أقيم معظمه على أراضي الضفة بارتفاع يتجاوز 8 أمتار، وطول يصل إلى نحو 202 كيلومتر، وفق منظمة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية.
وبينما تقول إسرائيل إنها شيدته لاعتبارات أمنية، يؤكد فلسطينيون والأمم المتحدة أن إقامته جاءت ضمن مخطط لضم أراض فلسطينية إلى إسرائيل. وعام 2004 أصدرت محكمة العدل الدولية في لاهاي، رأيا استشاريا بعدم قانونية الجدار، نظرا لبنائه على أراض فلسطينية محتلة.
وشيّع فلسطينيون، الثلاثاء، جثمان قديس (44 عاما) الذي قتل، مساء الاثنين، وأصيب آخر، خلال محاولتهما اجتياز الجدار الفاصل قرب بلدة الرام شمال القدس المحتلة، في حادثة تتكرر بشكل مستمر. وقالت وزارة الصحة الفلسطينية إن زكريا قديس "استشهد برصاص الجيش الإسرائيلي في بلدة الرام شمال القدس".
وأفادت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بأن "طواقمها نقلت الشهيد (44 عاماً) بعد إصابته بالرصاص الحي في الرأس، فيما أُصيب عامل آخر بالرصاص الحي في القدم خلال محاولتهما اجتياز الجدار الفاصل".
العمال الفلسطينيين لا يملكون أي بدائل حقيقية سوى المجازفة بحياتهم من أجل إعالة أسرهم
ويقول ذوو القتيل إن ما حدث لا يمثل حادثة معزولة، بل يعكس واقعا قاسيا يعيشه آلاف العمال الفلسطينيين منذ تشديد القيود الإسرائيلية عقب الحرب على غزة، حيث دفعت البطالة وتوقف تصاريح العمل كثيرين إلى سلوك طرق خطرة لعبور الجدار الفاصل.
وبنبرة يكتنفها الغضب والحزن، انتقد ذوو الضحية "سياسات التضييق الإسرائيلية المتواصلة على العمال الفلسطينيين"، والتي تدفعهم إلى سلوك تلك المغامرة المحفوفة بالمخاطر لعبور الجدار الفاصل.
ونُقل جثمان قديس من مجمع فلسطين الطبي بمدينة رام الله إلى بلدته "دير قديس" غرب المدينة، حيث ووري الثرى في مقبرتها.
وقال خالد، شقيق القتيل، في حديث للأناضول، إن زكريا كان عاملاً كادحاً مثل آلاف العمال الفلسطينيين الذين يخرجون يومياً بحثاً عن رزق أطفالهم في ظل ظروف اقتصادية صعبة وأعباء معيشية متزايدة، مضيفا أن كثيراً من العمال لا يملكون خياراً سوى "المخاطرة من أجل إعالة أسرهم".
وأوضح أن العائلة تلقت نبأ مقتله عبر اتصالات من بعض المعارف، مؤكدا أن الضحية كان محبوبا ومجتهدا ومقبلا على الحياة، ولم يكن يشكل أي خطر، إذ كان هدفه الوحيد العمل والعودة إلى أطفاله، مشيرا إلى أنه أب لأربعة أبناء جميعهم صغار، وقال بحسرة "ما حدث فاجعة قاسية للعائلة".
من جهته، قال أنورقطوسة، ابن عم الضحية، إن العمال الفلسطينيين يضطرون يومياً إلى المخاطرة بحياتهم عبر الجدار الفاصل أو عبر طرق تهريب غير نظامية للوصول إلى أعمالهم داخل القدس أو داخل إسرائيل.
وأضاف أن هذه الحوادث تتكرر بشكل شبه يومي قرب الجدار، مشيراً إلى أن "عشرات العمال سقطوا خلال السنوات الأخيرة في هذه الظروف"، مؤكدا أن العمال الفلسطينيين لا يملكون أي بدائل حقيقية سوى المجازفة بحياتهم من أجل إعالة أسرهم.
وحسب معطيات الاتحاد العام لعمال فلسطين، فقد قُتل أكثر من 50 عاملاً فلسطينياً واعتُقل أكثر من 38 ألفاً منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، خلال محاولاتهم الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل.
وتمنع إسرائيل منذ بدء حربها على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، آلاف العمال الفلسطينيين من العودة إلى أعمالهم، ما يدفع بعضهم إلى سلوك طرق خطرة مثل تسلق الجدار الفاصل أو العبور غير النظامي، في ظل قيود مشددة على الحركة.