الحرب والانهيار الصحي يفاقمان انتشار الكوليرا في السودان
الخرطوم - يشهد السودان تفشياً متسارعاً لمرض الكوليرا في ظل تدهور الأوضاع الصحية والإنسانية الناجمة عن الحرب المستمرة، ما يثير مخاوف متزايدة من تحول المرض إلى كارثة صحية واسعة النطاق يصعب احتواؤها في المدى القريب.
وتكشف الأرقام الرسمية عن حجم الأزمة المتفاقمة، إذ أعلنت وزارة الصحة السودانية أن حصيلة تفشي الكوليرا في ولاية غرب كردفان بلغت 308 إصابات مؤكدة و77 حالة وفاة حتى 27 مايو/أيار الماضي، فيما تعافى 99 مصاباً ولا يزال العشرات يتلقون العلاج.
وتعكس هذه الأرقام معدل وفيات مرتفعاً مقارنة بعدد الإصابات المسجلة، ما يشير إلى التحديات الكبيرة التي تواجه النظام الصحي في التعامل مع الوباء.
وجاء الإعلان خلال اجتماع طارئ عقدته وزارة الصحة لمتابعة تطورات الوضع الصحي في البلاد، حيث ناقش المسؤولون التحديات الميدانية التي تعيق جهود الاستجابة، وعلى رأسها صعوبة الوصول إلى المناطق المتأثرة ونقص الإمدادات والأدوية الطبية اللازمة لمكافحة المرض.
ودعا وزير الصحة هيثم محمد إبراهيم إلى الإسراع في تحديد الاحتياجات العاجلة لولاية غرب كردفان، ووضع آليات فعالة لإيصال الأدوية والمستلزمات الطبية، مع تكثيف الإجراءات الوقائية في الولايات الحدودية لمنع انتشار العدوى إلى مناطق جديدة.
ويأتي انتشار الكوليرا في وقت يعاني فيه القطاع الصحي السوداني من انهيار واسع نتيجة الصراع المسلح الذي أدى إلى تدمير أو تعطيل العديد من المستشفيات والمراكز الصحية، فضلاً عن النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والكوادر الصحية. كما أسهم النزوح الجماعي وتكدس السكان في مراكز الإيواء المؤقتة في توفير بيئة مواتية لانتشار الأمراض المعدية.
ويعد تدهور خدمات المياه والصرف الصحي من أبرز أسباب تفشي الكوليرا، حيث اضطرت أعداد كبيرة من السكان إلى الاعتماد على مصادر مياه غير آمنة بعد تعرض البنية التحتية لأضرار واسعة. ومع ضعف عمليات معالجة المياه وتراجع خدمات النظافة العامة، تزداد احتمالات انتقال العدوى بين المجتمعات المتضررة.
وحذرت منظمات إنسانية من أن استمرار القتال وصعوبة الوصول إلى العديد من المناطق يعرقلان جهود الاستجابة الصحية، ويحدان من قدرة الفرق الطبية على تنفيذ حملات التوعية والعلاج ومراقبة انتشار المرض. كما تواجه عمليات الإغاثة تحديات لوجستية وأمنية تعيق إيصال المساعدات الطبية إلى المناطق الأكثر تضرراً.
ومع استمرار النزاع وتراجع الخدمات الأساسية، تتزايد المخاوف من اتساع رقعة الوباء إلى ولايات جديدة وارتفاع أعداد الإصابات والوفيات خلال الأشهر المقبلة.
ويأتي هذا التفشي بعد أسابيع فقط من إعلان السلطات الصحية انتهاء موجة سابقة من الكوليرا عقب حملات تطعيم واسعة النطاق. وكانت وزارة الصحة، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، قد أطلقت في أبريل/نيسان خطة وطنية تهدف إلى خفض الإصابات بالكوليرا وتقليص الوفيات المرتبطة بها بنسبة 90 بالمئة بحلول عام 2030.
ويرى مراقبون أن استمرار الصراع وتدهور البنية التحتية الصحية ونقص التمويل الإنساني يزيد من صعوبة السيطرة على الأوبئة في السودان، ما يجعل تفشي الكوليرا في غرب كردفان اختبارًا جديدًا لقدرة السلطات والشركاء الدوليين على احتواء الأزمات الصحية المتفاقمة في البلاد.
وفي ظل هذه المعطيات، تتصاعد الدعوات المحلية والدولية لتعزيز الدعم المقدم للقطاع الصحي السوداني، وتكثيف حملات مكافحة الكوليرا وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، بهدف الحد من انتشار المرض ومنع تحوله إلى أزمة إنسانية أكثر خطورة في بلد يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
ولم تقتصر المخاوف الصحية على الكوليرا فحسب، إذ ناقش اجتماع وزارة الصحة أيضًا الاستعدادات لمواجهة خطر فيروس إيبولا الذي عاد للظهور في عدد من الدول الإفريقية. وأكد الوزير أهمية تعزيز قدرات السودان في مجال مكافحة الأوبئة ورفع جاهزية المؤسسات الصحية لمواجهة أي تهديدات مستقبلية.