الدراما الخليجية تكتب فصولها بطلات عربيات
الرياض ـ شهدت الدراما الخليجية خلال العقود الأخيرة تحوّلًا لافتًا في بنيتها الفنية وخياراتها الإنتاجية، تمثّل في الانفتاح المتزايد على النجمات العربيات، بعد أن ظلّت لسنوات طويلة محصورة إلى حدٍّ كبير في الأسماء المحلية.
وجاء هذا التحوّل نتيجة مسار تراكمي بدأ بتجارب مبكرة في الثمانينيات والتسعينيات، قبل أن يتكرّس اليوم بوصفه خيارًا فنيًا وإنتاجيًا واعيًا، أسهم في إثراء الدراما الخليجية فنيًا وجماهيريًا، ووسّع من آفاق حضورها عربيًا.
في مراحلها الأولى، ركّزت الدراما الخليجية على القضايا المحلية البحتة، مستندة إلى نجمات من البيئة الاجتماعية نفسها، وهو ما منحها صدقًا اجتماعيًا واضحًا وقربًا من المتلقي الخليجي، غير أن هذا التركيز، على أهميته، حدّ من قدرتها على الانتشار خارج الإطار المحلي. ومع توسّع سوق البث الفضائي في التسعينيات، وظهور القنوات العربية المشتركة، بدأت ملامح الانفتاح الأولى بالظهور، من خلال الاستعانة بممثلات عربيات في أدوار محورية داخل أعمال خليجية، أو عبر إنتاجات عربية مشتركة صُوِّر جزء كبير منها في دول الخليج.
وشهدت الثمانينيات والتسعينيات مشاركات عربية نسائية تركت أثرًا واضحًا في الذاكرة الدرامية الخليجية، فقد شاركت الممثلة المصرية آثار الحكيم في أعمال خليجية وعربية مشتركة، وقدّمت شخصيات قريبة من الواقع الاجتماعي، كما ظهرت سهير رمزي وإلهام شاهين في مسلسلات صُوِّرت في الخليج أو تناولت بيئته الاجتماعية، ما أسهم في جذب جمهور عربي أوسع، ورسّخ فكرة العمل الدرامي العربي المشترك.
ويرى نقاد أن تلك المشاركات، وإن بدت محدودة آنذاك، شكّلت اختبارًا مبكرًا لتقبّل الجمهور الخليجي لاختلاف اللهجة والخلفية الثقافية، وفتحت الباب تدريجيًا أمام حضور عربي أكثر كثافة في السنوات اللاحقة.
وشكّل حضور النجمات المصريات إضافة نوعية للدراما الخليجية، مستفيدًا من ثِقَل المدرسة التمثيلية المصرية وخبرتها الطويلة في معالجة القضايا الاجتماعية والإنسانية، ففي مراحل مبكرة، شاركت ممثلات مصريات في مسلسلات خليجية عُرضت على القنوات الرسمية، وأسهمن في تعزيز الطابع الإنساني للأعمال، سواء من خلال الأداء العاطفي أو القدرة على تقديم شخصية قريبة من وجدان المشاهد العربي.
وفي السنوات الأخيرة، تجلّى هذا الحضور بشكل أوضح مع مشاركة سمية الخشاب في مسلسل "أم 44"، حيث أكدت في تصريحات إعلامية أن الدراما الخليجية باتت أكثر جرأة في طرح قضايا المرأة والأسرة، وأكثر اهتمامًا بتفاصيل الشخصية.
وشاركت ليلى علوي في أعمال ذات طابع اجتماعي عربي، وظهرت نيللي كريم ويسرا في إنتاجات عربية ضخمة عابرة للحدود، لاقت صدى واسعًا وأسهمت في رفع مستوى التفاعل الجماهيري مع الدراما الخليجية.
ويُعد الحضور السوري من أكثر العناصر تأثيرًا في تطور الدراما الخليجية، سواء في الأعمال القديمة أو الحديثة، فمنذ التسعينيات، شاركت ممثلات سوريات في مسلسلات خليجية اجتماعية، ووقد أسهمت المدرسة السورية، المعروفة بتركيزها على التحليل النفسي وبناء الشخصية، في الارتقاء بمستوى الأداء النسائي داخل الدراما الخليجية.
ومن أبرز النماذج مشاركة سلافة معمار في مسلسل "هارون الرشيد"، إلى جانب أعمال اجتماعية وإنسانية شاركت فيها كندة علوش وديمة قندلفت ونادين تحسين بيك. هذا الحضور أضفى على الدراما الخليجية عمقًا نفسيًا وواقعية عالية، وأسهم في تقديم شخصيات نسائية تتجاوز القوالب النمطية التقليدية. وقد أكدت الممثلة جومانة مراد في أكثر من مناسبة أن الدراما الخليجية تحوّلت إلى منصة إقليمية قادرة على استيعاب التنوع العربي وتقديمه بصورة ناضجة ومتوازنة.
وبرزت النجمات اللبنانيات بقوة في الدراما الخليجية، خصوصًا منذ مطلع الألفية الجديدة، مع تطوّر الإنتاجات المشتركة وازدياد حضور المنصات الرقمية. وشاركت نادين نسيب نجيم في أعمال عربية صُوِّر جزء منها في الخليج وحققت نسب مشاهدة مرتفعة، كما سجّلت دانييلا رحمة حضورًا لافتًا في مسلسلات ذات طابع اجتماعي ورومانسي، إلى جانب نجمات لبنانيات أخريات قدمن شخصيات نسائية تعكس التحولات الاجتماعية وقضايا الهوية والمرأة.
هذا الحضور أسهم في تعزيز الطابع العاطفي والرومانسي لبعض الأعمال الخليجية، ووسّع من قاعدة جمهورها، خاصة لدى فئة الشباب.
وضمن هذا المشهد العربي المتداخل، جاءت تجربة الممثلة المغربية أسماء الخمليشي في السلسلة السعودية الشهيرة "بنات البومب" مثالًا واضحًا على نجاح التفاعل الثقافي داخل الدراما الخليجية. فقد جسدت دور الزوجة الثانية في إطار كوميدي، تعيش وسط أسرة خليجية وتدخل في مواقف طريفة نتيجة اختلاف الطباع واللهجات.
هذا الاختلاف لم يُقدَّم بوصفه عائقًا، بل كعنصر إثراء درامي خلق مفارقات كوميدية لاقت تفاعلًا واسعًا من الجمهور، وأسهم في تعزيز فكرة أن التنوع الثقافي يمكن أن يكون مصدر قوة للعمل الدرامي، لا مجرد عنصر شكلي.
واستفادت الدراما الخليجية من تعدد المدارس التمثيلية النسائية، ما رفع سقف التنافس، ودفع الكتّاب والمخرجين إلى تطوير النصوص وتقديم شخصيات أكثر عمقًا وتعقيدًا. وعلى الصعيد الإنتاجي، أسهم حضور النجمات العربيات في توسيع دائرة التسويق، وجعل الأعمال الخليجية أكثر جاذبية للمنصات الرقمية التي تبحث عن محتوى عربي عابر للحدود.
وتؤكد هذه التجارب، القديمة والحديثة، أن حضور النجمات العربيات لم يعد استثناءً في الدراما الخليجية، بل أصبح جزءًا من ملامحها الأساسية. ومع استمرار هذا الانفتاح وتطوّر الصناعة وارتفاع سقف الإنتاج، تبدو الدراما الخليجية مقبلة على مرحلة أكثر ثراءً وتكاملًا عربيًا، تعكس واقع المجتمعات وتطلعات جمهورها المتنوع، وتكتب فصولها الجديدة ببطلات من مختلف أنحاء العالم العربي.