الدعم السريع تحقق مكاسب ميدانية هامة في شمال كردفان
الخرطوم - تشهد ساحة العمليات العسكرية في السودان تحولًا لافتًا في ميزان القوى بعد أشهر من الجمود النسبي، حيث برزت قوات الدعم السريع مجددًا كلاعب رئيسي على الأرض، عقب سيطرتها على منطقتي كازقيل والرياش في ولاية شمال كردفان. هذا التقدم لا يُقرأ بوصفه مجرد كسب ميداني تقليدي، بل باعتباره مؤشرًا على عودة فاعلة وقوية لتلك القوات التي كانت قد منيت بخسائر مؤلمة في معارك الخرطوم خلال الأشهر الماضية.
اللافت في هذه العملية ليس فقط الموقع الجغرافي الذي يشكل مدخلًا استراتيجيًا نحو مدينة الأبيض، بل التوقيت والأسلوب الذي نُفذت به. فبحسب مصادر ميدانية وتصريحات رسمية من الدعم السريع، جاءت السيطرة على المنطقتين بعد معارك وُصفت بـ"الحاسمة" ضد القوات المسلحة السودانية، التي وُصفَت في البيان بـ"جيش الحركة الإسلامية"، إلى جانب الميليشيات المتحالفة معه.
المتابعون للتحركات الميدانية في شمال كردفان يشيرون إلى أن هذا التقدم العسكري ما كان ليتحقق لولا الاستخدام المكثف لسلاح المسيّرات، الذي أصبح ركيزة أساسية في تكتيكات الدعم السريع. وقد قلبت الضربات الجوية الدقيقة التي نفذتها المسيّرات موازين المعركة، مما أدى إلى انهيار خطوط الدفاع الأمامية للقوات الحكومية، وتكبيدها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات.
واستطاعت قوات الدعم السريع، وفق ما جاء في بيانها، الاستيلاء على 43 عربة قتالية مجهزة بالكامل، بالإضافة إلى تدمير عشرات المركبات الأخرى، وضبط كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر. ويؤشر هذا إلى أن الدعم السريع لم يعد في وضعية التراجع أو الدفاع، بل استعاد زمام المبادرة، مدعومًا بأدوات تكنولوجية عسكرية متقدمة تعيد تشكيل طريقة خوض الحرب في السودان.
في مقابل هذا التقدم اللافت، تشير تقارير ميدانية وتحليلات إلى حالة من الارتباك داخل صفوف الجيش السوداني وقيادته العسكرية، خاصة بعد سلسلة من الضربات الأخيرة التي نفذتها قوات الدعم السريع في مناطق متفرقة. وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية شهادات من جنود وضباط تحدثوا عن تراجع الدعم اللوجستي وضعف التنسيق بين الوحدات القتالية، ما يعكس تحديات كبيرة في إدارة المعركة من قبل القيادة العامة للقوات المسلحة.
وتُظهر تصريحات قادة الدعم السريع أن السيطرة على كازقيل والرياش ليست سوى مرحلة تمهيدية لخطة عسكرية أكبر تستهدف الوصول إلى مدينة الأبيض، التي تمثل نقطة ارتكاز استراتيجية في إقليم كردفان. وبحسب البيان العسكري، فإن العمليات تتجه نحو "تحقيق أهداف استراتيجية أوسع"، في إشارة محتملة إلى نوايا التوسع جنوبًا وربما غربًا لاحقًا.
ولا تغيب الأبعاد السياسية عن هذا التقدم الميداني؛ فالدعم السريع حرص في بيانه على دعوة المواطنين إلى "الاصطفاف خلف مشروع التأسيس الوطني"، وهي عبارة تعبّر عن محاولة لإعادة تقديم نفسها كقوة وطنية ذات مشروع سياسي، لا مجرد ميليشيا تقاتل على الأرض.
وفي ظل غياب أي بوادر حقيقية لحل سياسي شامل، يبدو أن الدعم السريع يسعى إلى تعزيز موقعه التفاوضي ميدانيًا، تمهيدًا لأي ترتيبات سياسية قادمة. وهو ما يفسر إصرارها على التوسع في الجغرافيا العسكرية، مع محاولة كسب التأييد الشعبي في المناطق التي تدخلها.
النجاحات الأخيرة التي حققتها قوات الدعم السريع، وإن كانت لا تعني نهاية الصراع، إلا أنها تعكس تحولًا حاسمًا في المعادلة العسكرية بعد أشهر من الخسائر والانسحابات. ويبدو أن دخول المسيّرات كسلاح فاعل في يد الدعم السريع، سيغيّر طبيعة المعركة ويضع الجيش السوداني أمام تحديات غير تقليدية في إدارة حرب استنزاف طويلة الأمد.