الدقم بوابة عُمان إلى الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد الدولية
مسقط - وقعت الهيئة العامة العمانية للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة 10 اتفاقيات استثمارية ومذكرات تعاون لتأسيس مشروعات جديدة بالمنطقة الخاصة بالدقم باستثمارات تقدر بنحو 7.5 مليار دولار، في خطوة تأتي في إطار رؤية تستهدف تقليص الاعتماد على العائدات النفطية وتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية والصناعات المتقدمة.
وتراهن السلطنة على حزمة من المشاريع الكبرى والاستثمارات النوعية التي تستقطبها المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، وفي مقدمتها المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، التي باتت تمثل حجر الزاوية في استراتيجية التنويع الاقتصادي العُمانية، باعتبارها بوابة بحرية وصناعية قادرة على ربط الأسواق الآسيوية والأفريقية والشرق أوسطية.
وتعكس الاتفاقيات الاستثمارية الأخيرة التي جرى توقيعها في الدقم، بقيمة تقارب 2.9 مليار ريال عُماني، حجم الرهان الذي تضعه الحكومة على القطاعات غير النفطية كمحرك رئيسي للنمو خلال العقود المقبلة.
وتشمل هذه الاستثمارات مشاريع في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والصناعات الكيميائية والتعدينية والخدمات اللوجستية والسياحة، وهي قطاعات تراها مسقط قادرة على توفير مصادر دخل مستدامة وخلق فرص عمل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
ويأتي هذا التوجه في وقت تسعى فيه دول الخليج إلى تسريع برامج التنويع الاقتصادي لمواجهة تقلبات أسواق الطاقة العالمية ومتطلبات التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون. غير أن عُمان تحاول تقديم نموذج مختلف يقوم على استثمار موقعها الجغرافي الفريد خارج مضيق هرمز، بما يمنحها أفضلية لوجستية مهمة في حركة التجارة الدولية.
ويحتل ميناء الدقم موقعاً محورياً في هذه الاستراتيجية، إذ تنظر إليه السلطنة باعتباره مركزاً متكاملاً للصناعة والتصدير وإعادة التصدير، وليس مجرد ميناء بحري تقليدي. وساهم تطوير البنية الأساسية للميناء وربطه بالمناطق الصناعية واللوجستية المحيطة به في تعزيز جاذبيته للمستثمرين الأجانب الباحثين عن قواعد إنتاج وتوزيع قريبة من الأسواق الإقليمية والعالمية.
وتؤكد الحكومة العُمانية أن استقطاب الاستثمارات الأجنبية لا يقتصر على ضخ رؤوس الأموال فحسب، بل يستهدف كذلك نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات الحديثة وبناء سلاسل قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني. ويظهر ذلك بوضوح في المشاريع المرتبطة بإنتاج مكونات بطاريات السيارات الكهربائية، والصناعات المرتبطة بالهيدروجين الأخضر، ومشاريع الصناعات الثقيلة التي تستهدف الأسواق الخليجية والأفريقية.
ويبرز قطاع الهيدروجين الأخضر باعتباره أحد أهم الرهانات المستقبلية للسلطنة. فمع تزايد الطلب العالمي على مصادر الطاقة النظيفة، تسعى عُمان إلى الاستفادة من مواردها الطبيعية ومساحاتها الواسعة لإنتاج الوقود الأخضر وتصديره إلى الأسواق الدولية، خصوصاً في أوروبا وآسيا. ومن شأن هذه المشاريع أن تضع البلاد ضمن قائمة المنتجين الرئيسيين للطاقة النظيفة خلال العقود المقبلة، بما يفتح مصدراً جديداً للإيرادات بعيداً عن النفط والغاز التقليديين.
وفي موازاة ذلك، تعمل السلطنة على تعزيز مكانتها كمركز للخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، مستفيدة من التحولات التي تشهدها التجارة العالمية والحاجة المتزايدة إلى مراكز إقليمية قادرة على توفير خدمات التخزين والتصنيع وإعادة التصدير. وتعتبر الدقم أحد أبرز النماذج التي تجسد هذا التوجه، حيث يجري تطوير منظومة متكاملة تضم الميناء والمناطق الصناعية والمجمعات السكنية والمرافق السياحية والخدمية.
ولا تقتصر جهود التنويع على القطاع الصناعي فحسب، بل تشمل أيضاً تنمية القطاع السياحي الذي أصبح أحد المكونات الأساسية لرؤية "عُمان 2040". فالمشاريع السياحية الجديدة التي يجري تنفيذها في الدقم ومناطق أخرى تهدف إلى استقطاب مزيد من الزوار والاستثمارات، وتعزيز مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي، بما يدعم تنويع مصادر الدخل الوطني.
ويرى مراقبون أن نجاح عُمان في جذب استثمارات من دول متعددة، بينها الصين والهند وألمانيا ومصر والفلبين، يعكس تنامي الثقة الدولية في بيئة الأعمال العُمانية، كما يؤكد قدرة السلطنة على الاستفادة من موقعها السياسي المتوازن وعلاقاتها الاقتصادية المتشعبة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية.
كما أن التركيز على تطوير الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر يعكس رغبة واضحة في مواكبة التحولات العالمية، خاصة مع تصاعد الضغوط الدولية لخفض الانبعاثات الكربونية وتعزيز الاستدامة. وتسعى مسقط إلى تحويل هذه التحولات إلى فرص استثمارية تتيح لها بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
ومع ذلك، تبقى أمام السلطنة تحديات تتعلق بضرورة تسريع وتيرة تنفيذ المشاريع، ورفع كفاءة سوق العمل، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، فضلاً عن ضمان قدرة الاستثمارات الجديدة على تحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.
لكن المؤشرات الحالية توحي بأن عُمان ماضية في ترسيخ موقعها كحلقة وصل بين الشرق والغرب، مستفيدة من موقعها البحري الاستراتيجي وشبكة موانئها الحديثة ومناطقها الاقتصادية المتطورة. وبينما تواصل الحكومة ضخ الاستثمارات في البنية الأساسية والصناعات المستقبلية، تبدو السلطنة عازمة على تحويل التنويع الاقتصادي من مجرد هدف استراتيجي إلى واقع اقتصادي يرسخ مكانتها مركزاً إقليمياً للتجارة والصناعة والخدمات اللوجستية في المنطقة.