الذكاء الاصطناعي يدخل المطبخ
واشنطن ـ في الوقت الذي يواجه فيه العالم تحديات متزايدة تتعلق بارتفاع أسعار الغذاء وانتشار الأمراض المرتبطة بسوء التغذية، يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة واعدة للمساعدة في تحسين الأنظمة الغذائية اليومية.
وفي أحدث التطورات بهذا المجال، ابتكر باحثون أميركيون نظاما ذكيا قادرا على اقتراح تعديلات بسيطة على الوجبات الغذائية تجعلها أكثر صحة وأقل تكلفة.
ونشرت المجلة الأميركية 'بلوس ديجيتال هيلث' العلمية المتخصصة في الصحة الرقمية نتائج دراسة أجراها الباحثان تريفور تشان وإيلياس تاغكوبولوس من جامعة كاليفورنيا، حيث طورا نموذجا يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل مكونات الوجبات واقتراح بدائل غذائية تحقق توازناً أفضل بين القيمة الصحية والسعر.
وتكمن أهمية الابتكار في أنه لا يفرض تغييرا جذريا على عادات الأكل، بل يكتفي بإجراء تعديلات محدودة للغاية، حيث أظهرت الدراسة أن استبدال مكون واحد إلى ثلاثة مكونات فقط داخل الطبق الواحد يمكن أن يؤدي إلى تحسينات ملحوظة في جودة الغذاء وتكلفته.
واعتمد الباحثون على قاعدة بيانات ضخمة تضم الأنماط الغذائية لأكثر من 55 ألف شخص، ما أتاح للنظام التعرف على الخيارات الغذائية الأكثر شيوعا وتقديم بدائل واقعية قابلة للتطبيق.
وعلى سبيل المثال، يمكن استبدال بعض الأطعمة المصنعة أو مرتفعة الدهون بمكونات نباتية أو بروتينية أكثر فائدة، دون التأثير الكبير على الطعم أو طبيعة الوجبة الأصلية.
وأظهرت النتائج أن الوجبات التي أعاد الذكاء الاصطناعي تصميمها أصبحت أقرب إلى المعايير الغذائية الصحية بنسبة بلغت 47 بالمئة مقارنة بالوجبات الأصلية. كما نجح النظام في خفض تكلفة الوجبات بنسبة تراوحت بين 22 و34 بالمئة، إلى جانب تحسين قيمتها الغذائية بنحو 10 بالمئة.
وركزت التوصيات التي قدمها النظام على زيادة استهلاك الخضراوات والبقوليات والحبوب الكاملة، مع تقليل الاعتماد على الأطعمة مفرطة التصنيع، وهي خطوات تتوافق مع الإرشادات الغذائية المعتمدة في العديد من دول العالم.
وتمثل هذه النتائج أهمية خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية التي تدفع كثيراً من الأسر إلى الاعتقاد بأن الطعام الصحي أكثر تكلفة من البدائل الأخرى. ويشير الباحثون إلى أن المشكلة لا تكمن دائما في الأسعار المرتفعة ـ في بعض السياقات على الأقل ـ بل في صعوبة اختيار البدائل المناسبة التي تحقق التوازن بين الفائدة الغذائية والتكلفة.
ومن هنا تأتي قيمة الذكاء الاصطناعي، إذ يمكنه تحليل آلاف الخيارات الغذائية خلال ثوانٍ معدودة، واقتراح بدائل قد لا ينتبه إليها المستهلك العادي، فبدلا من استبعاد وجبات مفضلة بالكامل، يقدم النظام تعديلات تدريجية تحافظ على العادات الغذائية والنكهات المألوفة.
ويرى خبراء التغذية أن هذه التقنية قد تمهد الطريق نحو أنظمة غذائية شخصية مصممة وفق احتياجات كل فرد وظروفه الصحية والاقتصادية. وقد تتمكن تطبيقات الهواتف الذكيةفي المستقبل من اقتراح قائمة طعام يومية تراعي العمر والحالة الصحية والميزانية المتاحة، بل حتى التفضيلات الغذائية الخاصة بكل مستخدم.
ويمكن توظيف هذه الأنظمة الذكية في المدارس والمستشفيات وبرامج الدعم الغذائي الحكومية، بما يسهم في تحسين جودة الوجبات المقدمة للفئات المختلفة وخفض تكاليفها في الوقت ذاته.
ورغم النتائج المشجعة، يؤكد الباحثون أن النظام لم يخضع بعد لاختبارات ميدانية على أشخاص حقيقيين، وأن الدراسة الحالية اعتمدت على المحاكاة وتحليل البيانات فقط، لذلك ما زالت هناك حاجة إلى تجارب عملية لقياس مدى التزام الأفراد بالتوصيات المقترحة، ومدى تأثيرها الفعلي على الصحة على المدى الطويل.
ومع ذلك، تعكس الدراسة اتجاهاً متنامياً نحو توظيف الذكاء الاصطناعي في مواجهة التحديات الصحية والغذائية العالمية، من خلال حلول عملية لا تتطلب تغييرات جذرية في أنماط الحياة.
وإذا أثبتت التجارب المستقبلية فاعلية هذه التقنية، فقد تصبح أداة مهمة تساعد ملايين الأشخاص حول العالم على تناول غذاء أكثر صحة وبأسعار أقل، وهو هدف تسعى إليه الأنظمة الصحية والاقتصادية على حد سواء.