الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً واعدة لرصد عيوب قلب الجنين بدقة أكبر

الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مستقبلية، بل شريك فعلي في العملية التشخيصية.

لندن - تتسارع وتيرة توظيف الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي، لتدخل هذه التقنيات مرحلة جديدة من التأثير المباشر في تشخيص الأمراض، ولا سيما تلك التي تتطلب دقة عالية وقراءة حساسة للصور الطبية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة عن طفرة مهمة في فحوصات ما قبل الولادة، بعدما أظهرت أن الذكاء الاصطناعي بات قادراً على تحسين رصد العيوب الخلقية في قلب الأجنة بشكل لافت، ما يعزز فرص التدخل المبكر ورفع معدل نجاة الأطفال حديثي الولادة.

الدراسة التي اعتمدت على أداة طبية طورتها شركة برايت هارت المتخصصة في التقنيات التشخيصية، استعانت بعينة واسعة من البيانات شملت 200  فحص بالموجات فوق الصوتية خلال الثلث الثاني من الحمل، تم جمعها من 11  مركزاً طبياً في بلدين مختلفين. وتضمّنت العينة مئة فحص اعتبرها الخبراء "مثيرة للشكوك" لاحتمال احتوائها على مؤشرات عيوب قلبية.

وللمقارنة بين دقة التشخيص التقليدي وتلك المدعومة بالذكاء الاصطناعي، أجريت مراجعات سريرية لكل فحص على يد سبعة أطباء مختصين في أمراض النساء والولادة وسبعة متخصصين في حالات الحمل عالية الخطورة.

وتم تحليل الصور بشكل عشوائي، مرّة بالاعتماد على القدرات البشرية فقط، ومرّة أخرى باستخدام برامج الذكاء الاصطناعي.

وجاءت النتائج لافتة، إذ أثبت الذكاء الاصطناعي أنه قادر على رفع معدل الرصد من 82 في المئة إلى أكثر من 97في المئة عند استخدامه كأداة مساعدة للطبيب، أي بزيادة كبيرة في اكتشاف المؤشرات المريبة التي قد تفلت عادة من الفحص التقليدي.

ولم يقف دور هذه التقنيات عند حدود الدقة، بل ساهمت أيضاً في تسريع زمن القراءة بنسبة 18 في المئة، ما يشير إلى قدرة هذه البرامج على تحسين الإنتاجية وتقليص وقت التشخيص. كما ارتفعت درجة ثقة الأطباء في قراءاتهم بنسبة 19 في المئة، وهو عامل مهم في اتخاذ القرارات الطبية أثناء الحمل.

هذه النتائج التي نشرتها دورية أمراض النساء والتوليد تقدّم مؤشراً قوياً على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مستقبلية، بل شريك فعلي في العملية التشخيصية. وقد عبّر عن ذلك الطبيب أندريه ريباربر من كلية إيكان للطب في مستشفى ماونت سيناي، حين أكد أن الدراسة يجب أن تكون حافزاً لزيادة الأبحاث في هذا المجال، خاصة تلك الرامية إلى تقليص التباين وعدم المساواة في رصد العيوب القلبية حول العالم، حيث تختلف إمكانيات المراكز الصحية من بلد لآخر.

وأشار ريباربر إلى أن المستقبل يبدو مشرقاً عندما يتم دمج الذكاء الاصطناعي كعامل مساعد، وليس بديلاً، للطبيب المختص، ما يمهّد لتطوير نماذج تشخيصية هجينة تجمع الخبرة البشرية بالدقة التقنية.

وتأتي أهمية هذه الدراسة من طبيعة المرض المستهدف، إذ تُعد عيوب القلب الخلقية من أكثر الاختلالات شيوعاً بين الأجنة، وتحتاج غالباً إلى تدخل طبي سريع بعد الولادة لضمان بقاء الطفل على قيد الحياة وبالتالي، فإن رفع دقة الفحص المبكر يمنح الأطباء والأسَر وقتاً ثميناً لوضع خطة علاجية واضحة قبل الولادة.

كما أن اعتماد الذكاء الاصطناعي في هذا السياق يعكس التحول العميق الذي يشهده الطب الحديث نحو التشخيص القائم على البيانات، والذي يسمح بتحليل صور عالية التعقيد تتطلب عادة خبرة طويلة. ويبدو أن هذه التقنيات بدأت بالفعل في تقليص الهوة بين المراكز الطبية المتقدمة وتلك التي تفتقر إلى اختصاصيين ذوي خبرة، بفضل قدراتها على تفسير الصور بكفاءة شبه موحدة.

وتفتح هذه النتائج الباب واسعاً أمام تطوير أدوات تشخيصية جديدة قادرة على اكتشاف أمراض أخرى أثناء الحمل، سواء في الدماغ أو الجهاز العصبي أو الكلى، ما يجعل الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من منظومة الرعاية الصحية في السنوات المقبلة.

وفي ظل هذا النمو المتسارع، تتجه كثير من المراكز الطبية إلى دمج هذه البرامج في بنيتها التقنية، مع التشديد على ضرورة بقاء القرار الطبي النهائي بيد الطبيب، لضمان المعايير الأخلاقية والإكلينيكية في التعامل مع الحالات الحساسة.