الذكاء الاصطناعي يقتحم هوليود من أبوبها الأمامية

'أوبن اي آي' تعلن إنتاج فيلم رسوم متحركة طويل يعتمد بصورة أساسية على الخوارزميات التوليدية، في محاولة لإثبات أن هذه التقنية قادرة على إنجاز الأفلام بسرعة قياسية وتكاليف أقل.

واشنطن - في خطوة وُصفت بأنها اختبار حقيقي لمستقبل صناعة السينما، أعلنت شركة "أوبن آي" إنتاج فيلم رسوم متحركة طويل يعتمد بصورة أساسية على الذكاء الاصطناعي، في محاولة لإثبات أن هذه التقنية قادرة على إنجاز الأفلام بسرعة قياسية وتكاليف أقل مما تقدمه استديوهات هوليوود، وفقًا لما ذكرته صحيفة "وول ستريت جورنال".

ويُرتقب أن يُعرض الفيلم، الذي يحمل اسم "كريترز"، عالميًا العام المقبل مع خطة لتدشينه في مهرجان كان السينمائي في مايو/أيار 2026. وتدور أحداثه حول مغامرة مجموعة من كائنات الغابة بعد اضطراب قريتهم بدخول غريب غامض، وهو من ابتكار تشاد نيلسون، الخبير الإبداعي في "أوبن آي"، الذي بدأ تصميم شخصياته قبل ثلاث سنوات مستخدمًا أداة "دال-إي" لتوليد الصور.

ويُذكر أن نيلسون كان قد أنجز سابقًا نسخة قصيرة تجريبية بنفس العنوان، بأسلوب وثائقي مستلهم من "كوكب الأرض"، مستخدمًا صورًا ولّدها الذكاء الاصطناعي، قبل تحويلها إلى مشاهد متحركة محدودة. أما النسخة الجديدة فهي أول مشروع طويل، يجمع بين شركات إنتاج في لندن ولوس أنجلوس مثل "فيرتيغو فيلمز" و"نيتف فورين"، بميزانية تقل عن 30 مليون دولار، ومدة إنتاج لا تتجاوز تسعة أشهر، في حين تتطلب عادةً مشاريع مماثلة أكثر من ثلاث سنوات.

سيعتمد العمل على مؤدين بشريين لتجسيد الأصوات، إلى جانب فنانين ينفذون رسومات أولية تُغذّى في أدوات "أوبن آي" النصية والبصرية مثل "جي بي تي-5" و"دال-إي". وقد كتب السيناريو بعض الأسماء التي شاركت أيضًا في فيلم "بادينغتون إن بيرو"، ما يضفي لمسة من الخبرة الروائية التقليدية على تجربة تقنية غير مسبوقة.

مع ذلك، يبقى المشروع محفوفًا بالتحديات؛ فشركات كبرى مثل "ديزني" و"نتفليكس" بدأت بالفعل اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي، لكن التجارب ما تزال تصطدم باحتجاجات النقابات ومخاوف الملكية الفكرية. ففي 2023، وبعد إضراب طويل، توصّل اتحاد الممثلين الأميركيين "ساغ-أفترا" إلى اتفاق يُلزم الاستديوهات بالحصول على موافقة مسبقة وتعويض مالي عند استخدام صور أو أصوات مولدة بالذكاء الاصطناعي لأي عضو، سواء كان حيًّا أو راحلًا.

محطة مرجعية

ويرى نيلسون أن نجاح "كريترز" قد يشكل محطة مرجعية تثبت أن الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج محتوى مخصص للشاشة الكبيرة، مع خفض كلفة الإنتاج وتسهيل دخول المبدعين الجدد إلى الصناعة. غير أن هوية الشريك الموزع ما تزال غير محسومة، كما أن الإقبال الجماهيري يظل سؤالًا مفتوحًا في ظل تراجع حضور دور السينما عالميًا.

وتصف "أوبن آي" الفيلم بأنه تجربة إبداعية جريئة قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة في صناعة السينما، فيما يحذر خبراء المجال من انعكاساته على فرص العمل البشرية، خاصةً للممثلين والكتاب وفناني الرسوم المتحركة، الذين قد يجدون أنفسهم في منافسة مباشرة مع خوارزميات قادرة على تقديم البدائل بسرعة وبتكاليف منخفضة.

تجربة "كريترز" لا تُعتبر سابقة مطلقة في هوليوود، إذ سبق أن خاضت الاستديوهات الكبرى محاولات مشابهة للاستفادة من التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في مراحل مختلفة من صناعة الأفلام. على سبيل المثال، اعتمدت استديوهات مثل "ديزني" و"مارفل" على الذكاء الاصطناعي في تقنية "إعادة الشباب الرقمي" لبعض الممثلين أو لإحياء شخصيات راحلة مثل "بيتر كوشينغ" في فيلم "حرب النجوم: روغ وان". لكن هذه الحالات كانت تقتصر على مشاهد محدودة داخل أفلام ضخمة ذات إنتاج تقليدي.

الفرق الجوهري مع مشروع "أوبن آي" هو أنه يطرح الذكاء الاصطناعي كقلب العملية الإنتاجية وليس مجرد أداة مساعدة. فبينما كانت هوليوود تستخدم الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية لتقليل التكاليف أو تحسين المؤثرات، يذهب "كريترز" أبعد من ذلك بجعل الذكاء الاصطناعي محركًا أساسيًا للسرد، للتصميم البصري، ولإدارة وقت وميزانية الإنتاج.

كما يختلف المشروع عن تجارب سابقة في كونه يعلن صراحة أن الهدف ليس فقط الإبداع الفني بل أيضًا اختبار قدرة الذكاء الاصطناعي على تغيير قواعد اللعبة في الصناعة، من حيث الكلفة وسرعة الإنجاز وتوسيع قاعدة المبدعين. وهنا تكمن خطورته وفرصته في آن واحد: فهو يضع نموذجًا يمكن أن يُحتذى أو يُرفض، بحسب رد فعل السوق والجمهور، وبحسب ما إذا كان سيثبت أن الذكاء الاصطناعي قادر فعلًا على تقديم تجربة سينمائية مؤثرة تضاهي المعايير السائدة في هوليوود.