الرواية لم تتوقف عند حدود الوسيط الورقي

جهاد الفالح ترى أن الرواية الترابطية – انطلاقا من بنيتها – إنما هي كون مرئي لا تستقيم القراءة فيها إلا مشاهدةً نظرا إلى طبيعة الروابط فيها.
أريج خطاب: عالم الفيس بوك الافتراضي مثَّل للناس أرض الخلاص من أعباء الواقع ومشاغله ومسئولياته
زين عبدالهادي: عالم المعلوماتية يمكن أن يمثل نقطة ضوء في نهاية هذا النفق المظلم بما انتهت إليه من نتائج تتعلق بذلك
شريف عابدين: ما يهمنا ليس إيراد المعلومة فحسب، ولكن كيفية توظيفها
شريف العصفوري: سرعان ما تطورت التكنولوجيا لنقل الصورة والرسائل النصية، فصار الاتصال اللحظي الدائم بين الأفراد ممكنا ورخيصا

ترى الباحثة أريج خطاب أن عالم الفيس بوك الافتراضي مثَّل للناس أرض الخلاص من أعباء الواقع ومشاغله ومسئولياته، واعتبره كثيرون ملاذا يهربون من واقعهم وهمومهم، إليه يبثون أحزانهم وينشرون أفراحهم ويعبرون من خلاله عن مشاعرهم المتناقضة والمضطربة، فهو ملاذهم وبراحهم الحر، ينفسون من خلاله عن المكبوت والممنوع، ويعبرون عن ذواتهم، وما يختلج صدورهم من آمال وآلام وطموحات وأحلام قريبة وبعيدة المنال.
وفي مشاركتها بالجلسة الثانية (ب) بقاعة المجلس الأعلى للثقافة التي رأسها الروائي الجزائري أمين الزاوي، ضمن جلسات ملتقى القاهرة الدولي للإبداع الروائي، أكدت الباحثة الليبية أن الأمر تعدى مجرد التعبير التلقائي فصار الكتّاب ينشرون فيه إبداعاتهم عبر مدوناتهم الشعرية والنثرية حتى ظهر ما يسمى بـ "الأدب الإلكتروني" كما تم استخدامه لأغراض سياسية وفكرية، فصار ساحة للنزاعات الفكرية، فطرح فكرة ما غدا أمرا يسيرا وعرض ردود أفعال الفعل المضادة، صار أكثر يسرا، كما استخدم بعضهم هذا الفضاء الافتراضي ما يسمى "الإعلانات الممولة" لطرح دعم مشاريعهم ومؤسساتهم وللترويج لمنتجاتهم.
وتناقش أريج خطاب كيف وظّف الروائي المصري شريف صالح تقنيات الفيسبوك لصالح بناء روايته "حارس الفيسبوك" وكيف صنع من عالم الفيسبوك عالما موازيا لعالم الحلم وعالم الواقع. وتشير إلى أن الرواية تتناول "فيروس" يطلقه "هكرز" مستخدما "اللينكات" يؤدي إلى انهيار "جمهورية افتراضية" وقع ضحيتها ملايين من البشر، فانتهك خصوصياتهم وأفسد حياتهم، فهذه رسائل داخل "الإنبوكس" تنشر على "الوول" وتتحكّم في صفحات رواده "فتغلق" بعضها وتمنعهم من "التعليق".

نحن نقرأ لأجيال من الأدباء شهدوا ميلاد التكنولوجيا، ولكن التأثير الأكبر قادم عندما يبدأ مواليد العقدين الماضيين من التعبير في القصيدة والقصة والرواية

وتوضح خطاب أن الكاتب طوَّع العالم الافتراضي بكل تقنياته لصالح روايته، وخلق عالما موازيا لعالم الواقع يعكس ما يجري فيه من انهيار للقيم والمثل، فهذه تدوينة أدبية مهمة لا تلقى أي اهتمام بينما تحصد "بوستات" التعريض والتشهير مئات "اللايكات". وتشير إلى أن الكاتب وظّف في هذه الرواية تقنيات العالم الافتراضي لإبراز الطبيعة البدائية للإنسان في التجرّد من جميع القيم الدينية والحضارية والتخلص من كل القيود، وهدم كل الحدود والحواجز وإزالة الأقنعة.
أما الباحثة التونسية جهاد الفالح فقد انصبّ بحثها على البنية الترابطية في الرواية الرقمية العربية، وقالت: باتت الرواية كما يصفها البعض "ديوان العرب" الجديد، وقد استقرت في جوهر قضايا الإنسان، وأتت على ما عجزت عنه الأجناس الأدبية الأخرى من محظورات، ولئن كان مرد الرواية غربيا في إطارها العربي، إلا أنها غنمت كذلك من أشكال السرد العربي القديم، ويمكن أن نعتبر ذلك مؤشرها على قدرة هذا الشكل الأدبي على استيعاب تجارب عديدة لم تتوقف عند حدود الوسيط الورقي، بل اندمجت في الإطار الرقمي من خلال الحاسوب وسيطا وأداة للتواصل جديدين، يكرسان لنمط من التواصل جديد بدوره من خلال بنية النص عموما.
وأضافت: لئن كانت الرواية، ورقيا، هي نص يتحدد من خلال بنيته الدلالية (جمل، مقاطع، وحدات) والعلاقات فيما بينها، فإنها، رقميا، تتحدد بما أقرته الدراسات الغربية وهي العقدة والرابط، وقد أسهمت هذه الثنائية في تقنين العلاقة بين ما ظهر من النص وما بطن، غير أن تلك العلاقة ملزمة للمؤلف في إنشاء النص (إذ لا تتحقق واحدة بمعزل عن الأولى)، لكنها ليست ملزمة للقارئ في مستوى التقبل (إذ ليس مجبرا على تنشيط كل الروابط)، فالنص ليس معطى كاملا يتجلى على الشاشة، إنما هو بناء لا يستند إلى الخطية فيفترض مسارات في القراءة متعددة يتخيرها القارئ، وقد لا يتشابه تخير عن غيره، وبالتالي تختلف النهايات من قارئ إلى آخر وتختلف وتنفتح على التأويل اللانهائي.
وعلى ذلك ترى جهاد الفالح أن الرواية الترابطية – انطلاقا من بنيتها – إنما هي كون مرئي لا تستقيم القراءة فيها إلا مشاهدة نظرا إلى طبيعة الروابط فيها، وكذلك لكون غالبية الوسائط المتعددة (الصورة، الحركة، المشهد، اللون) فيها مرئية تفترض العين أداة للتلقي، فالبنية الترابطية إذن القائمة على "التقنية" قد اقتحمت الأدبي وحلت محل البنيات النصية التي تخلقها اللغة وإلى اللغة مردها. كما تناولت الباحثة مظاهر التحول في البنية الروائية ومدى التداخل فيها بين الأدبي والتكنولوجي.
وفي بحثه "ما بعد الحداثة والمعلوماتية: ضوء في نهاية النفق" قال د. زين عبدالهادي: حين ظهرت الحداثة كان يظن بأنها ستنهي آلام البشر، وستحقق كثيرا من التقدم والسلام في العالم، ولكن أعقب ذلك الحربان العالميتان الأولى والثانية التي راح ضحيتها سبعون مليونا من البشر، ومن ثم انتهت حقبة مركزية العقل الإنساني التي مثلتها الحداثة، ليحل محلها مركزية الفرد، أو الانعزالية في مواجهة عالم عدمي، أو ما يعرف بـ "ما بعد الحداثة". 
وأضاف عبدالهادي: على الرغم مما أشار إليه كثير من المفكرين وعلى رأسهم فرنسيس فوكوياما من سيطرة الرأسمالية والديمقراطية وتوسع مفاهيم الحرية فإن ذلك لم يحُل دون السقوط الإنساني في مستنقع الدماء والخلافات والتنمر الدولي، وهو ما كان ينظر إليه (وما زلنا) على أننا في مواجهة الفناء الإنساني.
ويؤكد الباحث المصري أن عالم المعلوماتية يمكن أن يمثل نقطة ضوء في نهاية هذا النفق المظلم بما انتهت إليه من نتائج تتعلق بذلك.
وعن "توظيف المعلوماتية في الرواية" رأى الروائي د. شريف عابدين أن الرواية كجنس أدبي يتسيد المشهد الإبداعي، لها القدرة على استيعاب كميات هائلة من المعلومات التي ترتبط بموضوع الكتابة سواء كانت نظريات علمية أو تقنيات تطبيقية أو معلومات تفصيلية. وقال: ما يهمنا ليس إيراد المعلومة فحسب، ولكن كيفية توظيفها، وعلى الكاتب أن ينجح في تضفير المعلومة بالفن الروائي.
ويشير إلى أنه في الماضي كانت النصيحة السائدة التي توجه إلى المؤلفين "اكتب ما تعرفه"، أما الآن في عصر الإنترنت وورش الكتابة الإبداعية فهناك توصية شائعة "اكتب ما تريد أن تعرفه"، "اختر عالما تتحمس له، واتجه إلى تثقيف نفسك وإشباع فضول قارئك".

ويوضح عابدين أن النص الروائي يحتاج إلى المعلوماتية (تعبيرا عن المكونات: زمان، مكان، شخصية، حدث) تلبيةً لاحتياجات السرد أو تلبية لاحتياجات القارئ. ومن المتطلبات الفنية للكتابة: الإيهام الحكائي الذي يتطلب دقة التفاصيل في جميع المستويات من الظاهر إلى الباطن، ومن السطح إلى العمق، وتتيح الكتابة المليئة بالتفاصيل وصفا حقيقيا، ويؤدي تضمينها خصائص نوعية تؤدي إلى زيادة المصداقية والعمق والجاذبية في النص الروائي.
أما احتياجات المتلقي، فيرى عابدين أن القاعدة العامة هي الرغبة في التعلم أثناء القراءة، لذا يتجه الكاتب بشكل خاص، وكلما أمكن، إلى اختيار بيئة لا يعرف عنها سوى القليل جدا، إلى عوالم جديدة وأزمنة مختلفة، بحيث تشمل الإعدادات قدرا كبيرا من المعلوماتية لإشباع الفضول المعرفي للقارئ.
وتوقف الباحث عن التوظيف الأمثل للمعلوماتية السردية من خلال الخلفية المعلوماتية للزمكان التي يجب أن توظف فقط من خلال ما يحدث للشخصيات، وأنسجة المعلومات ما يعني تضفير المعلوماتية وتوزيعها المتجانس في مقاطع صغيرة تندمج في نسيج النص وتفادي إدراجها في فقرات طويلة من الوصف، وأشار  إلى توزيع الوصف المعلوماتي مع الحدث والحوار، وتفاعل الشخصيات مع الوصف المعلوماتي من خلال مقولة "دع شخصياتك ترى وتشم وتتذوق تفاصيلك الخاصة"، ثم طبق تنظيراته على بعض الروايات السكندرية مثل "عاليها واطيها" لسعيد سالم، و"اللون العاشق" لأحمد فضل شبلول.
وعن "التعبير الأدبي في زمن الإيجاز الإلكتروني" قال الباحث شريف العصفوري: تغلغلت الشبكة العنكبوتية من منتصف التسعينيات من القرن الماضي، فأتاحت بسرعة وسيلة للنشر السريع للأخبار وللأفكار، ليس بواسطة "عامة" كالتلفزيون بالنقل المباشر، ولكن بالاتصال اللحظي الآني والمستمر "الخاص" وسرعان ما خرج للنور أدوات التعبير (البلوج) المدونات، حيث صار البلوج بسرعة أداة لنشر القصائد والقصص القصيرة، وأحيانا للرواية على حلقات، كما كان دور الصحف في أواخر القرن 19.
ويضيف العصفوري أن الهاتف المحمول دخل الحلبة سريعا عند نهاية العقد الأخير من القرن العشرين، وسرعان ما تطورت التكنولوجيا لنقل الصورة والرسائل النصية، فصار الاتصال اللحظي الدائم بين الأفراد ممكنا ورخيصا، وصار التسجيل للأحداث الفريدة أو الاعتيادية بزوايا رؤية متعددة ممكنا، عندما تزاوجت تكنولوجيا الهاتف المحمول مع الشبكة العنكبوتية، صار هناك حاجة إلى التعبير وإلإعلام (الإخبار) في نصوص قصيرة من 160 حرفا في الرسائل النصية على الهاتف المحمول، أو 140 حرفا على منصة تويتر.
ويوضح العصفوري أن هذا الإيجاز تجاوبت معه الأجيال من الكتاب والصحفيين والإعلاميين الذين كانوا يشهدون هذا التحول، يبقى الأثر الأكبر المنتظر آتيا من ذلك الجيل الذي ولد بعد تسيُّد كل تلك التكنولوجيات وسائل الاتصال المتداخلة ما بين الحاسب الشخصي والهاتف المحمول والشبكة العنكبوتية.
ويتطرق العصفوري إلى اللغة التي تستخدمها "الأوساط" الجديدة ويرى أنها حفيدة للغة التي يموج بها الشارع بالدارجة، وبنفس الموسيقى السريعة والاختزال، وبالقوافي والشعرية والتلميح والإحالة التي طرأت على الأغاني الشعبية بعد استقدام الراديو والتلفزيون.
ويبين الباحث شريف العصفوري أنه إذا كان دور وسائل التواصل الاجتماعي واضحا وبديهيا، حتى صارت المواقع والمدونات أداة تعبير جماهيرية كبرى ووسيلة عظيمة في العمل السياسي، فلغة التعبير وأشكال التعبير تشهد طفرات غير مسبوقة ولا معهودة في كل النصوص، حتى الآن نحن نقرأ لأجيال من الأدباء شهدوا ميلاد التكنولوجيا، ولكن التأثير الأكبر قادم عندما يبدأ مواليد العقدين الماضيين من التعبير في القصيدة والقصة والرواية.