السوداني يرسم الخط الفاصل بين منطق الدولة ومنطق سلاح الميليشيات

من الواضح أن السوداني يدرك حساسية ملف سلاح الميليشيات، إذ يطرح معادلة مزدوجة: لا قطيعة مع الفصائل، لكن لا ازدواجية في الولاء.

بغداد - في سياق سياسي واقتصادي وأمني بالغ الحساسية، وضع رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، مجدداً، الإطار النظري لأكثر الملفات تعقيداً في المشهد العراقي: ملف السلاح خارج سلطة الدولة. ففي لقائه مع عدد من الإعلاميين العرب والأجانب، مساء الاثنين، حدّد السوداني ما يمكن اعتباره الخط الفاصل بين منطق الدولة ومنطق القوة، عندما قال بوضوح إن "الجهات المسلحة أمام خيارين، إما الانخراط بالمؤسسات الأمنية أو الانتقال للعمل السياسي".

هذه العبارة، على بساطتها، تختزل مساراً طويلاً من الإشكالات البنيوية التي تراكمت منذ عام 2003، حين تمدّد نفوذ الجماعات المسلحة بمسميات مختلفة، بعضها انخرط في مؤسسات الدولة عبر "الحشد الشعبي"، وبعضها ظل يحتفظ باستقلاله النسبي عن القرار المركزي. واليوم يحاول السوداني أن يُعيد ضبط العلاقة بين السلطة والميليشيات ضمن مشروع "توازن الدولة" الذي يسعى لترسيخه منذ توليه رئاسة الحكومة.

محاولة موازنة بين "شرعية" القوة وقوة الشرعية

ومن الواضح أن السوداني يدرك حساسية الملف، إذ يطرح معادلة مزدوجة: لا قطيعة مع الفصائل، ولكن لا ازدواجية في الولاء. فهو لا يدعو إلى حلّها، بل إلى دمجها المؤسسي أو تحولها إلى أطر سياسية تعمل ضمن قواعد اللعبة الديمقراطية. هذا الخطاب ليس جديداً، لكنه يحمل في مضمونه رسالة تطمين داخلية للفصائل القريبة من "الإطار التنسيقي"، وإشارة تطمين خارجية للولايات المتحدة ودول الجوار بأن الحكومة لا تسعى إلى مواجهة مباشرة، بل إلى احتواء تدريجي للسلاح المنفلت.

والتحليل المنطقي لتصريحات السوداني يكشف أنه يحاول رسم نموذج "الدولة الحاضنة" لا "الدولة الصدامية"، أي دولة تستوعب القوى المسلحة بدل أن تدخل معها في صراع مفتوح، غير أن نجاح هذا النموذج يظل مرهوناً بمدى استعداد الفصائل لقبول خضوع فعلي لمنظومة القرار الأمني الرسمي، وهو أمر لم يتحقق بعد بشكل كامل رغم مرور أكثر من سبع سنوات على إقرار قانون الحشد الشعبي.

والمعضلة الأعمق ليست في وجود السلاح بحد ذاته، بل في تعدد الولاءات والجهات الحاضنة له. فالكثير من الفصائل ترى نفسها امتداداً لمشروع عقائدي أو سياسي يتجاوز الحدود الوطنية، ما يجعل فكرة "الانخراط الكامل" في المؤسسات الرسمية أقرب إلى الطموح منها إلى الواقع. وفي المقابل، يحاول السوداني إعادة تعريف "الشرعية المسلحة" على أساس وطني صرف، بحيث تكون الدولة وحدها صاحبة القرار في استخدام القوة، لا المرجعيات السياسية أو الدينية أو الإقليمية.

البعد الاقتصادي والسياسي في خطاب السوداني

بعيداً عن الملف الأمني، جاءت تصريحات السوداني الاقتصادية لتؤكد أنه يسعى لتثبيت صورة حكومة قادرة على إدارة التوازن المالي والاستقرار الداخلي، من خلال خفض العجز إلى 34 تريليون دينار، وتوسيع مشاريع الطاقة والتنمية والبنى التحتية. لكن القراءة السياسية تشير إلى أن هذه الأرقام لا تُفهم بمعزل عن السياق الانتخابي، حيث يسعى السوداني لتقديم نفسه كـ"رجل الدولة المنجز" في مواجهة خصوم قد يشككون بقدرته على مواجهة نفوذ السلاح.

كما أن إشارته إلى "ضرورة ائتلاف نيابي قوي ومتماسك" تحمل بعداً استباقياً لمرحلة ما بعد الانتخابات المقبلة، حيث يدرك أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي لا يمكن أن ينجح من دون غطاء سياسي عريض يضمن تمرير القرارات الصعبة، ومنها تلك المتعلقة بملف الفصائل والسلاح.

بين واشنطن وطهران: توازنات دقيقة

تصريحات السوداني المرحّبة بتعيين مبعوث جديد للرئيس الأميركي دونالد ترمب من أصول عراقية، تزامنت مع تأكيده على "دعم الحوار مع إيران بعيداً عن سياسة الضغط"، ما يعكس سياسة خارجية واقعية تسعى إلى الحفاظ على خيوط التواصل مع الطرفين دون الانزلاق إلى محور بعينه. هذا الموقف المتوازن، وإن بدا دبلوماسياً، إلا أنه في جوهره محاولة لتقليل أثر الاستقطاب الإقليمي على الداخل العراقي، خصوصاً في ظل استمرار النفوذ الإيراني العميق داخل مفاصل المؤسسة الأمنية والسياسية.

تحديات المرحلة المقبلة

في المحصلة، تبدو تصريحات السوداني بمثابة إعلان نوايا لإعادة ضبط التوازن الداخلي، لكنها تواجه اختبار التنفيذ على أرض الواقع، حيث تتقاطع المصالح بين الدولة والفصائل، وبين الأمن والاقتصاد، وبين السيادة والارتباطات الإقليمية.

إنه يحاول أن يرسم ملامح دولة حديثة تحتكم إلى القانون لا إلى موازين القوة، لكنه يدرك في الوقت ذاته أن الدولة العراقية ما زالت تعيش في منطقة رمادية بين الشرعية والسلاح. وفي تلك المنطقة، يصبح النجاح الحقيقي مرهوناً بقدرته على تحويل خطاب الإصلاح إلى فعل مؤسسي متدرّج، لا إلى شعار انتخابي عابر.