'السوريون الأعداء' دراما تقترب من الخط الأحمر

كل ضجّة تسبق العرض تؤكد أن الأعمال السورية ما زالت قادرة على إرباك السرديات وفضح مناطق الصمت الطويلة داخل الذاكرة العامة.

دمشق - من قرية بيت قدّار في الريف الشمالي لمحافظة اللاذقية، انطلق الجدل مجددًا حول الدراما السورية، وهذه المرة قبل عرض مسلسل "السوريون الأعداء"، على خلفية انسحاب الكاتب رامي كوسا من فريق الكتابة، بعد الإعلان رسميًا عن مشاركته إلى جانب الكاتبين نجيب نصير ورافي وهبة. انسحاب كوسا، الذي جاء في توقيت حساس ومتزامن مع بدء عمليات التصوير، فتح الباب واسعًا أمام التكهنات والتأويلات، وطرح تساؤلات حول كواليس العمل وطبيعة الخلافات المحتملة داخل فريقه.

سرعان ما انتشرت فرضيات ربطت بين انسحاب كوسا ومضمون المسلسل أو توجهه الفكري والسياسي، لاسيما أن العمل ينتمي إلى فئة الدراما الاجتماعية السياسية، ويقترب من واحدة من أكثر القضايا حساسية في السياق السوري المعاصر. غير أن كوسا خرج بنفسه ليضع حدًا لهذه التأويلات، موضحًا أن اعتذاره عن استكمال المشاركة لا يحمل أي أبعاد فكرية أو فنية، بل يعود إلى أسباب مهنية بحتة.

وفي بيان نشره عبر حساباته الرسمية على منصات التواصل الاجتماعي، أوضح كوسا أن التزامًا مهنيًا سابقًا حال دون قدرته على الاستمرار ضمن فريق كتابة "السوريون الأعداء".

وقال "اعتذرت عن استكمال مشاركتي في كتابة مسلسل 'السوريون الأعداء' بسبب التزام سابق بإعداد النسخة المعربة من مسلسل 'أحب أعمى' لصالح مجموعة قنوات أم بي سي، وهو التزام سبق انضمامي إلى فريق كتابة هذا العمل".

وأضاف أن "ضيق الوقت، وعدم القدرة على التنسيق بين المشروعين ضمن الإطار الزمني المتاح، دفعاني إلى اتخاذ قرار الاعتذار، التزامًا بأخلاقيات المهنة، واحترامًا لضوابط التسليم الخاصة بالعمل الأول".

هذا التوضيح خفّف، إلى حدّ ما، من حدّة الجدل، لكنه لم يُنهِ الأسئلة المطروحة، خصوصًا في ظل حساسية الموضوع الذي يتناوله المسلسل، والتجربة السابقة للدراما السورية مع الأعمال التي تقترب من الانقسامات السياسية والاجتماعية.

ورغم انسحاب كوسا، يستمر العمل بنص يكتبه كل من نجيب نصير ورافي وهبة، وهما من الأسماء المعروفة في المشهد الدرامي السوري، ولديهما رصيد طويل من الأعمال التي تناولت قضايا إشكالية ذات طابع اجتماعي وسياسي.

أحد أفراد فريق الإنتاج أكّد أن انسحاب كوسا "لم يؤثر على الرؤية العامة للنص"، موضحًا أن العمل "منذ بدايته قائم على ورشة كتابة، وليس على صوت فردي واحد"، وأن الخطوط الأساسية والشخصيات كانت قد وُضعت مسبقًا ضمن تصور جماعي، مضيفا أن "المرونة التي يتيحها هذا النمط من الكتابة سمحت باستمرار العمل من دون إرباك يُذكر على مستوى الإنتاج أو الجدول الزمني".

ينتمي المسلسل إلى الدراما الاجتماعية السياسية، ويتناول الانقسامات العميقة داخل المجتمع السوري من زاوية إنسانية، بعيدًا عن الخطاب المباشر أو الشعاراتي.

وتدور أحداثه حول عائلة سورية كبيرة، تتفكك علاقاتها مع تصاعد الأحداث، فيتحول الأخ إلى خصم، والصديق إلى عدو، لا بدافع الكراهية المجردة، بل نتيجة الخوف، والرغبة في النجاة الفردية، والاصطفافات القسرية التي فرضتها الظروف الاستثنائية.

ويطرح العمل سؤالًا محوريًا: كيف يمكن لبلد واحد، ولحيّ واحد، بل ولعائلة واحدة، أن تُنتج هذا العدد من "الأعداء" بين أبنائها؟ ومن خلال هذا السؤال، يرصد المسلسل التحولات التي تطال العلاقات الإنسانية حين توضع تحت ضغط العنف، والشك، وفقدان اليقين.

وتقدّم الشخصيات الرئيسية أطيافًا متعددة من المجتمع السوري؛ فالأب، وهو رجل في العقد السادس من عمره، يقف عاجزًا أمام تفكك عائلته، بعدما اختار كل فرد مسارًا مختلفًا، ليجسّد مأساة جيل شهد التحولات الكبرى، لكنه فقد قدرته على التأثير في مجراها. أما الابن الأكبر، فينحاز إلى خيار يظنه حاميًا للعائلة، قبل أن يكتشف تدريجيًا أنه خسر الجميع، بما في ذلك ذاته. في المقابل، يمثل الابن الأصغر جيلًا أكثر تمردًا وارتباكًا، يبحث عن خلاص فردي خارج كل التصنيفات الجاهزة.

وتلعب الشخصيات النسائية دورًا محوريًا في تطور الأحداث، ولاسيما شخصية الأم، التي تحاول الحفاظ على مسافة واحدة من الجميع، معتقدة أن الحياد قد يحمي العائلة، لكنها تدفع ثمن هذا الخيار باهظًا. كما تبرز شخصية الأخت، التي تنتقل من موقع الشاهدة إلى موقع الطرف الفاعل، بعد أن يُفرض عليها اختيار قاسٍ يمس حياتها ومستقبلها.

اختيار قرية بيت قدّار كموقع رئيسي للتصوير لم يكن عشوائيًا، إذ يعكس المكان، بطبيعته الريفية، حالة العزلة والانغلاق التي تشبه إلى حد بعيد الحالة النفسية للشخصيات.

ويؤكد مخرج العمل أن "المكان جزء من السرد الدرامي، وليس مجرد خلفية"، مضيفًا أن "القرى السورية تحمل في ذاكرتها قصصًا مكثفة عن الانقسام، ربما أكثر مما تحمله المدن".

وأوضح أن فريق العمل حرص على تقديم صورة بصرية واقعية، بعيدة عن التجميل، سواء على مستوى الديكور أو الإضاءة أو حركة الكاميرا، لأن القصة "لا تحتمل الزخرفة".

من جهتها، شددت شركة الإنتاج على أن المسلسل يهدف إلى فتح نقاش جدي حول فكرة العداء الداخلي، من دون تقديم شخصيات مثالية أو شيطانية. وقال أحد المنتجين "نحن لا نقدّم أبطالًا ولا أشرارًا مطلقين، بل بشرًا اتخذوا قرارات في ظروف استثنائية"، مضيفا أن "انسحاب رامي كوسا لم يؤثر على مسار الإنتاج، ونحن نحترم خياره المهني، ونتمنى له التوفيق في التزامه الآخر".

ورغم الضجة التي سبقت العرض، يبدو أن "السوريون الأعداء" ماضٍ في طريقه ليكون أحد الأعمال الجدلية المنتظرة، خاصة في ظل تعطّش الجمهور لأعمال تلامس الواقع السوري بجرأة، من دون الوقوع في فخ التبسيط أو المساواة المريحة بين الضحية والجلاد.

ويكشف هذا الجدل المبكر أن الدراما السورية لا تزال قادرة على إثارة الأسئلة، ليس فقط على الشاشة، بل خلف الكواليس أيضًا. وبين انسحاب كاتب، واستمرار عمل يحاول عكس انقسام مجتمع بأكمله، يبدو أن "السوريون الأعداء" ليس مجرد مسلسل عابر، بل محاولة لاختبار حدود الحكاية، وحدود الذاكرة، وحدود القدرة على مواجهة الذات.