الشراكة الاستراتيجية بين باكستان والسعودية تتعمق من الدفاع إلى التجارة

زيارة وفد تجاري سعودي يضم كبار رجال الأعمال والصناعة إلى باكستان يعد جزء من مبادرة استثمارية أوسع لتعزيز التجارة والتعاون الاقتصادي.

إسلام آباد – انتقلت العلاقات الباكستانية السعودية من مجرد شراكة تقليدية إلى تحالف استراتيجي متعدد الأبعاد، وهو تحول توج بتوقيع "اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك" بين البلدين الأربعاء الماضي، وفتح الباب على مصراعيه لتعميق التعاون في مختلف المجالات، وعلى رأسها الاقتصاد والتجارة.

وفي هذا السياق، من المقرر أن يزور وفد سعودي رفيع المستوى باكستان الشهر المقبل، في خطوة تعكس التزاما متبادلا بتعزيز الروابط التجارية والاقتصادية بما يتماشى مع الأهداف الاستراتيجية المشتركة.

ويُعدّ "اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك" الذي وقّعه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في الرياض، الذي ينص على تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء، نقطة تحوّل محورية في العلاقات الثنائية.

ولم تقتصر أهمية الاتفاق على الجانب الأمني فحسب، بل شكّل حافزا قويا لتعزيز التعاون في مجالات أخرى، لا سيما التجارة والاستثمار.

وقال بيان مشترك إن "توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك" بين الجانبين يأتي في إطار سعي البلدين لتعزيز أمنهما وتحقيق الأمن والسلام في المنطقة والعالم".

وفي هذا السياق، أفادت مصادر لوكالة "بلومبرغ" السبت أن باكستان والسعودية قد أطلقتا جهودا مكثفة لتعزيز التجارة الثنائية والتعاون الاقتصادي بعد إبرام الاتفاق الدفاعي التاريخي.

وتأتي الزيارة المرتقبة للوفد التجاري السعودي رفيع المستوى، والذي يضم كبار رجال الأعمال والصناعة، بدعم من مجلس تسهيل الاستثمار الخاص في باكستان، على ما أفادت صحيفة "ذا نيوز" الباكستانية اليوم السبت.

وتُعدّ هذه الزيارة جزءا من مبادرة أوسع تهدف إلى تعزيز الاستثمار والتجارة مع المملكة.

وفي إطار التحضير للزيارة المرتقبة، عقد كبار المسؤولين في السفارة السعودية في إسلام آباد اجتماعا في غرفة تجارة وصناعة لاهور مع رئيسها ميان أبوزر شاد، للتنسيق ووضع اللمسات الأخيرة على برنامج الزيارة.

وخلال الاجتماع التحضيري، أعلن الملحق التجاري السعودي نايف بن عبدالعزيز الحربي عن خطط ملموسة لتعزيز الروابط التجارية بين البلدين.

وأكد الحربي أن المملكة ستنشئ مكتبا تجاريا مخصصا في غرفة تجارة وصناعة لاهور، بهدف تبسيط المبادرات التجارية الثنائية. وتُعدّ هذه الخطوة حيوية لتقديم الدعم اللازم لرجال الأعمال وتذليل العقبات التي قد تواجههم.

ومسلطًا الضوء على الإمكانات الاقتصادية الواعدة لباكستان، أكد الحربي التزام السعودية بتقديم كل الدعم الممكن لتعزيز العلاقات التجارية.

كما كشف الحربي عن خطط لتسهيل التصدير المباشر للسلع الباكستانية إلى المملكة، مما سيلغي الحاجة إلى القنوات التقليدية عبر أوروبا، وذلك في اجراء غير مسبوق سيقلل التكاليف بشكل كبير ويزيد الكفاءة، كما سيعزز أيضا من تدفق التجارة المباشرة بين البلدين، مما ينعكس إيجابا على الاقتصادين.

وأكد الحربي "هدفنا هو وضع سياسات منظمة لا تقتصر على تعزيز التعاون الاقتصادي فحسب، بل تعزز أيضا الروابط بين الشعبين".

من جانبه، أكد رئيس غرفة تجارة وصناعة لاهور، ميان أبوزر شاد، على أهمية التجارة كبديل أكثر استدامة للمساعدات.

وقال أبوزر شاد "باكستان لا تحتاج إلى مساعدات، بل تحتاج إلى التجارة"، كما اقترح إحياء خدمة العبارات البحرية التي كانت تعمل بين البلدين في الستينيات، مما يؤكد على أهمية البحث عن حلول مبتكرة لتسهيل الحركة التجارية وتعزيز التبادل.

ومن المتوقع أن تُشكّل زيارة الوفد السعودي حافزا قويا لعهد جديد من التعاون الاقتصادي، يستند إلى الأساس المتين الذي وفّره الاتفاق الدفاعي الاستراتيجي.

وستُعقد خلال الزيارة اجتماعات ثنائية بين الوفد السعودي وكبار رجال الأعمال الباكستانيين من جميع أنحاء البلاد، وخاصة من مقاطعة البنجاب.

وستُتاح الفرصة لممثلي الغرف التجارية للتفاعل مباشرة مع قادة الأعمال السعوديين، مما يمهد الطريق لإبرام شراكات جديدة وتوسيع نطاق الاستثمارات. ويُعدّ هذا التفاعل المباشر عنصرا حيويا لتعزيز الثقة المتبادلة واستكشاف الفرص الاستثمارية التي لم تُستغل بعد.

وتاريخيا، تمتد العلاقات التجارية بين السعودية وباكستان إلى عقود، متجاوزة التبادل الاقتصادي لتشمل روابط سياسية وثقافية عميقة، حيث تعد المملكة أحد أهم الشركاء التجاريين لباكستان، كونها موردا رئيسيا للنفط ووجهة حيوية لملايين العمال الباكستانيين الذين تساهم تحويلاتهم المالية السنوية في استقرار الاقتصاد الباكستاني.

وعلى الرغم من أن الميزان التجاري كان يميل تاريخيا لصالح السعودية بسبب واردات النفط، فقد بذل البلدان جهودا حثيثة لتنويع التجارة وتعزيز الصادرات الباكستانية وتبادل الخبرات لتحقيق تكامل اقتصادي أعمق.

ولم تقتصر هذه العلاقات على التجارة، بل امتدت لتشمل استثمارات مشتركة، حيث أبدت السعودية اهتماما بالاستثمار في قطاعات حيوية في باكستان مثل الطاقة والبنية التحتية والزراعة، ضمن إطار "رؤية 2030" التي جعلت من باكستان شريكا مثاليا لمشاريع استثمارية ضخمة تهدف إلى تحقيق عوائد مالية ونقل التكنولوجيا وخلق فرص عمل.

ومع توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك، تتجه العلاقات بين الرياض وإسلام آباد نحو مرحلة جديدة من التكامل الشامل، حيث لم يعد التركيز مقتصرا على التجارة والمساعدات، بل يتجه نحو شراكة استراتيجية تعزز الأمن الإقليمي وتدعم التنمية المستدامة، مما يعكس فهما عميقا لأهمية التكامل بين الأمن والاقتصاد، ويساهم في استقرار وازدهار المنطقة بأسرها.