الشرع إلى 'دافوس الصحراء' لإعادة سوريا إلى النظام الدولي عبر بوابة الاقتصاد لا السلاح
دمشق - في تطور يُعدّ الأبرز منذ تشكيل الحكومة السورية الانتقالية قبل نحو عشرة أشهر، كشف مصدران مطلعان أن الرئيس السوري أحمد الشرع سيشارك هذا الأسبوع في مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار" الذي تستضيفه العاصمة السعودية الرياض، حيث من المقرر أن يُلقي خطاباً الثلاثاء المقبل أمام نخبة من قادة الاقتصاد والسياسة العالمية، في خطوة توصف بأنها محطة مفصلية في مسار إعادة إدماج سوريا في المجتمع الدولي بعد حربٍ استمرت أربعة عشر عاماً.
وأشارت المصادر التي تحدثت لوكالات دولية مشترطة عدم الكشف عن هويتها، إلى أن مشاركة الشرع تأتي ضمن تحركات دبلوماسية نشطة تهدف إلى إعادة موقع دمشق في النظام الإقليمي والعالمي، بعد عزلة طويلة فرضتها العقوبات والقطيعة السياسية في عهد الرئيس السابق بشار الأسد.
وحتى لحظة إعداد التقرير، لم تُصدر الرئاسة السورية ولا مركز التواصل الحكومي السعودي أي تعليق رسمي على المشاركة المرتقبة.
ومنذ تسلّمه السلطة في أعقاب الإطاحة ببشار الأسد، حرص الشرع على تبنّي خطاب سياسي مختلف يقوم على "الانفتاح الاقتصادي" و"التوازن الدبلوماسي"، وقد أجرى سلسلة من الزيارات الخارجية شملت موسكو وبكين وباريس، كما استقبل وفوداً عربية وغربية في دمشق، في محاولة لإعادة تعريف الدور السوري ضمن خريطة الشرق الأوسط الجديدة.
وتعدّ السعودية محورا رئيسياً في هذا المسار، فبعد القطيعة التي دامت أكثر من عقد، استضافت الرياض في مايو الماضي اجتماعاً تاريخياً جمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالرئيس الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعلن في ختامه أن واشنطن سترفع جميع العقوبات المفروضة على سوريا "لمنحها فرصة حقيقية للبدء بإعادة الإعمار".
ويُتوقع أن يكون ملف إعادة إعمار سوريا محور كلمة الشرع في مؤتمر الاستثمار، إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن التكلفة الإجمالية لإعادة البناء تبلغ نحو 216 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم التحدي والفرص الاقتصادية الهائلة في بلد دُمّرت بناه التحتية على مدى سنوات الحرب.
كما يُنتظر أن يوجّه الشرع نداءً جديدًا إلى المستثمرين الدوليين، مؤكداً استعداد حكومته لتوفير بيئة آمنة ومستقرة للاستثمار، بالتوازي مع الإصلاحات الإدارية والمالية الجارية داخل البلاد.
وسيشارك في الدورة الحالية من المؤتمر، المعروف إعلامياً باسم "دافوس الصحراء"، عدد من أبرز الشخصيات السياسية والاقتصادية العالمية، من بينهم الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو والرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك لاري فينك، وجيمي ديمون من بنك "جيه بي مورغان"، وجين فريزر الرئيسة التنفيذية لـ"سيتي بنك"، التي تولّت مؤخرًا رئاسة مجلس الأعمال السعودي–الأمريكي. كما سيحضر ممثلون كبار عن قطاع التكنولوجيا والطاقة، بينهم ليب بو تان من شركة “إنتل” وأمين الناصر الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو.
ويُنظر إلى مشاركة الرئيس السوري في هذا الحدث العالمي على أنها إشارة سياسية قوية على بدء عودة سوريا إلى المشهد الدولي من بوابة الاقتصاد والاستثمار، في وقت تحاول فيه الرياض تكريس موقعها كجسر للتقارب بين القوى المتنازعة في المنطقة، بينما تسعى دمشق إلى طيّ صفحة الحرب والانقسام، وفتح صفحة جديدة عنوانها "الإعمار والانفتاح".
وبينما لا تزال تفاصيل اللقاءات الثنائية المحتملة للرئيس السوري على هامش المؤتمر طي الكتمان، تؤكد مصادر دبلوماسية أن ظهور الشرع في الرياض سيكون رسالة مزدوجة إلى الداخل السوري بضرورة الثقة بمسار الإصلاح والانفتاح، وإلى الخارج بأن "دمشق الجديدة" مستعدة للعودة إلى النظام الدولي عبر بوابة الاقتصاد لا السلاح.