الصفقة الكبرى: إيران تفتح هرمز وترامب يفتح الخزائن

ترامب، بأسلوبه الذي يعتمد على "فن الصفقات"، يبدو أنه اختار المسار الأقصر لإنهاء الصداع المزمن في الشرق الأوسط.

في لحظة تاريخية حبست أنفاس العالم، شهدت الساحة الدولية تطوراً دراماتيكياً قد يغير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد، فبعد أشهر من التوترات العسكرية التي بلغت ذروتها بضربات متبادلة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر منصته 'تروث سوشيال'، عن التوصل إلى اتفاق شامل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، واصفاً إياه بـ"الاختراق التاريخي" الذي يضع حداً لعقود من العداء ويفتح صفحة جديدة من الاستقرار الإقليمي.

بدأ الإعلان بنبرة ترامب المعهودة التي تمزج بين الحزم الاقتصادي والبراغماتية السياسية، حيث وجه نداءً مباشراً لسفن العالم قائلاً "شغّلوا محركاتكم.. دعوا النفط يتدفق!". القرار الأكثر إثارة كان الرفع الفوري للحصار البحري الأميركي عن إيران، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية دون قيود أو رسوم مرور.

 هذا الإجراء لم يكن مجرد خطوة دبلوماسية، بل كان بمثابة "رئة صناعية" قُدمت للاقتصاد العالمي ولإيران على حد سواء، لضمان انسيابية إمدادات الطاقة وتخفيف حدة التضخم العالمي.

بالتوازي مع الإعلان الأميركي، كشفت المصادر الإيرانية (وكالتا إيسنا ومهر) عن تفاصيل تقنية ومالية مذهلة لمذكرة التفاهم، فالصفقة لا تقتصر على وقف إطلاق النار، بل تمتد لتشمل إعادة هيكلة كاملة للعلاقة الاقتصادية. ومن أبرز بنودها:

- تحرير الأموال: الإفراج عن مبالغ تتراوح بين 10 إلى 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة كبادرة حسن نية قبل البدء في مفاوضات الستين يوماً النهائية.

- إعادة الإعمار: التزام الولايات المتحدة وحلفائها بإنشاء صندوق تعويضات وإعادة إعمار بقيمة تصل إلى 300 مليار دولار، وهو ما يراه مراقبون بمثابة "خطة مارشال" لتحديث البنية التحتية الإيرانية مقابل التنازلات النووية.

- السيادة النفطية: منح طهران الحق الكامل في بيع نفطها والوصول إلى عوائدها المالية، مع إدارة إيرانية لمضيق هرمز تضمن سلامة الملاحة.

 فيما يتعلق بالملف النووي، بدا ترامب مطمئناً بشكل غير متوقع، حيث صرح بأن الاتفاق يضمن عدم امتلاك إيران لسلاح نووي، لكنه لم يبدِ عجلة في إخراج المواد النووية، واصفاً إياها بأنها "غير ضارة" حالياً ويمكن التعامل معها خلال الأشهر المقبلة.

اللافت في حديث ترامب هو اعترافه بـ"عقلانية" المجموعة الحالية التي تحكم في طهران، مؤكداً بصريح العبارة "لم أكن أهتم بتغيير النظام أبداً". هذا التصريح يمثل تحولاً جوهرياً في العقيدة السياسية الأميركية تجاه إيران، من سياسة "الضغوط القصوى" إلى سياسة "الصفقة الكبرى".

لم يقتصر أثر الاتفاق على العلاقات الثنائية، بل امتد ليشمل الساحات المشتعلة في المنطقة، فقد أكد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن الاتفاق ينص على الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على كافة الجبهات، بما في ذلك انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان وتوقف التصعيد في الممرات البحرية. هذا البند يضع حداً لمخاوف اندلاع حرب إقليمية شاملة كانت تبدو وشيكة قبل أيام فقط.

لعبت الأطراف الإقليمية أدواراً محورية في تقريب وجهات النظر؛ حيث تصدرت باكستان وقطر المشهد كوسيطين رئيسيين، بدعم لوجستي وسياسي من السعودية وتركيا. ومن المقرر أن تتوج هذه الجهود بمراسم توقيع رسمية في سويسرا يوم الجمعة، 19 يونيو، بحضور محتمل للرئيس ترامب ونائبه جيه دي فانس، الذي أكد استعداده للتوجه إلى جنيف لوضع اللمسات الأخيرة.

قوبل الاتفاق بترحيب دولي واسع، من الأمم المتحدة إلى بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان، حيث اعتبرته القوى الكبرى فرصة ذهبية لتعزيز الأمن التجاري والملاحي. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن أن قمة مجموعة السبع ستناقش آليات دعم هذا الاتفاق وضمان استدامته.

على الجانب الإيراني، ورغم الترحيب الشعبي والرسمي، ظل الحذر سيد الموقف، فقد صرح نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، بأن القوات المسلحة ستبقي "أصابعها على الزناد" حتى يتم التأكد من رفع الحصار فعلياً والإفراج عن الأموال. فإيران ترهن مفاوضات الـ 60 يوماً النهائية بمدى التزام واشنطن بالتنفيذ الفوري للشق الاقتصادي.

إن ما حدث يوم الاثنين يمثل انعطافة تاريخية في مسار السياسة الدولية. ترامب، بأسلوبه الذي يعتمد على "فن الصفقات"، يبدو أنه اختار المسار الأقصر لإنهاء الصداع المزمن في الشرق الأوسط، مفضلاً التبادل التجاري والضمانات الأمنية على لغة الصواريخ والحصار.

إذا قدر لهذا الاتفاق النجاح والتنفيذ، فإن المنطقة بصدد الدخول في عصر جديد من الازدهار الاقتصادي والهدوء السياسي، حيث تسكت المدافع لتعلو أصوات محركات التجارة في واحد من أهم ممرات العالم الحيوية. ومع ذلك، تبقى الأيام والستون يوماً القادمة هي الاختبار الحقيقي لمدى قدرة الطرفين على بناء الثقة فوق ركام عقود من الصراع.