العالم يحتفي بالإبل.. والعُلا تروي أقدم حكاياتها

سفينة الصحراء تكشف عن مكانتها الاستثنائية كرمز للصبر والأصالة وشريك أساسي في مسيرة الإنسان والتنمية.

الرياض ـ في الثاني والعشرين من يونيو/حزيران من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للإبل، تلك المناسبة التي تستعيد فيها البشرية علاقتها العميقة بكائن لا ينفصل عن تاريخها وحضارتها.

وتتجاوز هذه الاحتفالية مجرد التكريم الرمزي، لتسلط الضوء على الأدوار المتشعبة التي تؤديها الإبل في حياة الإنسان، من الأمن الغذائي والتنمية المستدامة، إلى العمق الثقافي والاجتماعي الذي يتجاوز حدود الجغرافيا والزمان.

وقد جاء تخصيص هذا اليوم تتويجا لاهتمام إقليمي ودولي متنامٍ بما تمثله الإبل من قيمة تراثية وبيئية واقتصادية لا تُستهان بها.

ولعل المملكة العربية السعودية من أكثر دول العالم تجسيدا لهذه العلاقة الإنسانية الفريدة؛ إذ لا تحتل الإبل فيها مكانة الموروث الشعبي التقليدي وحسب، بل تتغلغل في صميم الهوية الوطنية وذاكرة الأجيال.

ومنذ قرون طويلة، شكّلت الإبل ركيزة أساسية في حياة سكان الجزيرة العربية، وأسهمت في رسم أنماط عيشهم وتنقلهم وتجارتهم، وربطت المناطق المتباعدة بشبكة من التواصل والتبادل الحضاري.

وعلى أرض العُلا، إحدى أبرز المواقع التاريخية في المملكة، تتحدث النقوش والرسوم الصخرية بلغة تمتد عبر آلاف السنين عن شراكة وثيقة جمعت الإنسان بالإبل. فقد كانت هذه الكائنات الوفية شريكا لا غنى عنه في مسيرة الحضارات التي ازدهرت على هذه الأرض، تُنشّط طرق التجارة، وتربط المراكز الحضارية بعضها ببعض، وتُمكّن المجتمعات من تبادل السلع والمعارف عبر مسافات تبدو مستعصية.

 وما تزال الشواهد الأثرية المنتشرة في ربوع العُلا شاهدةً على هذا الارتباط العضوي، وتؤكد أن الإبل لم تكن يوما مجرد وسيلة نقل، بل كانت جسرًا بين الإنسان وبيئته، ورفيقًا في بناء الحضارة.

وحين يشتد الصيف وترتفع الحرارة، تتكشف عن الإبل خصائص فسيولوجية لا مثيل لها في عالم الكائنات، فهي تتحمل ظمأً مديدًا، وتتعامل مع درجات الحرارة الحارقة بكفاءة لافتة، وتشقّ طريقها بيسر في الرمال والتضاريس الوعرة. هذه القدرات الاستثنائية هي التي منحتها لقب 'سفينة الصحراء' وجعلته يتوارثه الأجيال تعبيرا صادقا عن دورها المحوري، كما أسبغت عليها في الوجدان العربي هالةً من الصبر والعزيمة وقوة التحمّل.

غير أن قيمة الإبل لا تقف عند حدود الرمز والتاريخ، بل تمتد إلى واقع اقتصادي ملموس، فهي مصدر غذاء لا يُستهان به، يتصدره الحليب بما يحمله من قيمة غذائية استثنائية وفوائد صحية تستقطب اهتماما متزايدا في الأسواق المحلية والعالمية، يليه اللحم وسائر المنتجات.

وتسهم الإبل فضلًا عن ذلك في دعم المجتمعات المحلية من خلال منظومة من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بتربيتها ورعايتها، مما يجعل القطاع واعدًا بفرص نمو حقيقية في ضوء الاهتمام العالمي المتصاعد بمنتجاته.

وفي العُلا، تحضر الإبل بقوة في النسيج الثقافي والرياضي للمدينة. ويتصدر هذا الحضور كأسُ العُلا للهجن، الذي بات يُعدّ الأكبر من نوعه على مستوى العالم في سباقات الهجن، ويستقطب نخبة الملاك والمضمّرين من مختلف الدول في منافسة تُوفّق بين أصالة الموروث ومتطلبات التنظيم الاحترافي الحديث، معززةً مكانة العُلا وجهة عالمية للرياضات التراثية.

وإلى جانب ذلك، تحتضن قرية مغيراء للرياضات التراثية برامج وسباقات وأنشطة متنوعة تُحيي هذا الموروث وتنقل قيمه ومعارفه إلى الأجيال الجديدة والزوار القادمين من أنحاء العالم.

وتحضر الإبل أيضا في طيف واسع من الفعاليات الثقافية التي تستضيفها العُلا على مدار العام، حيث تتجاوز دورها الاستعراضي لتكون نافذة حقيقية على تاريخ المنطقة وثقافتها وهويتها، وفرصةً لا تتكرر للزوار كي يلمسوا عن قرب جوهر التراث السعودي الأصيل، فيثري حضورها تجربتهم ويوطّد ارتباطهم بهذا المكان الاستثنائي.

وهكذا تبقى الإبل في العُلا وفي المملكة جمعاء، أكثر من مجرد إرث يُصان؛ إنها رمز حيّ يجسّد قدرة التراث على التجدد ومواكبة الحاضر، ويؤكد أن جذور الهوية، حين ترسخ في التربة الأصيلة، تملك دائمًا أن تُزهر من جديد.