العجائب الإيرانية في قمم 'مجموعة السبع' بين بياريتز وإيفيان الفرنسيتين
في أغسطس/آب 2019، وبينما كان قادة الدول الصناعية الكبرى يتوافدون إلى مدينة بياريتز الفرنسية للمشاركة في قمة مجموعة السبع بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى، خطفت طائرة آتية من طهران الأضواء من الجميع تقريبًا.
يومها، وصل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى المدينة الفرنسية بدعوة من باريس، في خطوة وصفتها وكالة أسوشيتد برس الأميركية بأنها "مقامرة كبيرة" للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي كان يحاول فتح نافذة حوار بين واشنطن وطهران رغم التوتر غير المسبوق بين الطرفين.
لم يكن ظريف مدعوًا إلى القمة رسميًا، ولم تكن إيران عضوًا في النادي الاقتصادي الأكثر نفوذًا في العالم، لكن وجوده في بياريتز عكس حقيقة سياسية يصعب تجاهلها: إيران كانت حاضرة في قلب النقاشات الدولية حتى عندما لم تكن جالسة إلى الطاولة.
بعد سبع سنوات تقريبًا، وفي وقت انعقاد قمة مجموعة السبع الأخيرة في إيفيان الفرنسية، بدا وكأن التاريخ يكتب فصلًا جديدًا من الرواية نفسها، ولكن في ظروف أكثر تعقيدًا وأشد خطورة.
ماكرون... الوسيط الذي لم يغادر المشهد
في بياريتز، حاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمنح الدبلوماسية فرصة جديدة مع إيران. وتحدثت التقارير آنذاك عن مقترحات فرنسية تضمنت السماح لطهران بتصدير جزء من نفطها مقابل العودة إلى الالتزام الكامل بالاتفاق النووي الموقع عام 2015، والعمل على تهدئة التوترات في الخليج والانخراط في حوار سياسي أوسع.
ولم تنجح تلك المبادرة في تحقيق اختراق حاسم، فقبيل انتهاء ولاية ترامب الأولى ووصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، شهدت المنطقة سلسلة من التحولات العاصفة التي شملت اغتيال قاسم سليماني، والحروب الإقليمية المتلاحقة، والتصعيد بين إسرائيل وإيران، وتزايد المخاوف المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.
لكن اللافت أنّ ماكرون نفسه عاد بعد سنوات ليلعب دورًا مشابهًا، وإن بصيغة مختلفة، عبر تشجيع المسار الذي أفضى إلى مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية وإطلاق جولة المفاوضات الجديدة التي انطلقت بشكلٍ متذبذبٍ في سويسرا... وكأن الرئيس الفرنسي الذي استقبل ظريف في بياريتز قبل سنوات لا يزال يحاول أداء المهمة نفسها: منع الانزلاق نحو مواجهة شاملة وإعادة الجميع إلى طاولة التفاوض.
سبع سنوات من التصعيد والعودة إلى نقطة البداية
يصعب تجاهل المفارقة التي تفصل بين بياريتز وإيفيان. فخلال السنوات السبع الماضية، تعرضت المنطقة لهزات سياسية وأمنية وعسكرية عميقة. تبدلت الإدارات الأميركية، واشتعلت الحروب، وتعرضت دول الخليج لاعتداءات وهجمات طالت منشآت ومصالح حيوية، وارتفعت حدة المواجهة بين إسرائيل وإيران إلى مستويات غير مسبوقة.
ومع ذلك، عاد الجميع في نهاية المطاف إلى النقطة التي كان ماكرون يحاول الوصول إليها عام 2019: التفاوض.
هذه المفارقة لا تعني فشل الخيارات الأخرى فحسب، بل تعكس أيضًا حقيقة أنّ أزمات الشرق الأوسط أصبحت أكبر من أن تُدار بمنطق القطيعة الكاملة أو المواجهة الدائمة.
ماذا تفاوض واشنطن في سويسرا؟
السؤال الأهم اليوم لا يتعلق فقط بمصير البرنامج النووي الإيراني، بل بطبيعة الملفات الموضوعة على طاولة التفاوض، فإذا كانت المباحثات محصورة بالشق النووي، فإنّ تداعياتها الإقليمية ستبقى محدودة نسبيًا. أما إذا كانت تشمل النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط ودور القوى الحليفة لطهران في عدد من الساحات، فإنّ نتائجها قد تمتد إلى العراق وسوريا واليمن ولبنان، وربما إلى مجمل التوازنات التي تشكلت خلال العقود الماضية.
ومن هنا تحديدًا تنبع أهمية متابعة ما يجري خلف الأبواب المغلقة أكثر من متابعة ما يُقال أمام عدسات الكاميرات.
من دمشق الأمس إلى طهران اليوم
في مطلع تسعينيات القرن الماضي، احتاجت الولايات المتحدة إلى مشاركة سوريا في التحالف الدولي الذي تشكل لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي.
يومها، حصل تقاطع مصالح بين واشنطن ودمشق أفضى عمليًا إلى منح النظام السوري هامشًا واسعًا لإدارة الملف اللبناني خلال السنوات اللاحقة.
ولا يزال كثير من اللبنانيين يتذكرون تلك المرحلة باعتبارها مثالًا على الكيفية التي يمكن أن تتحول فيها التفاهمات الدولية والإقليمية إلى ترتيبات تنعكس مباشرة على الواقع اللبناني.
صحيح أنّ الظروف الحالية تختلف جذريًا عن ظروف تلك المرحلة، وصحيح أنّ إيران ليست سوريا، وأنّ الشرق الأوسط نفسه تغيّر بصورة عميقة، لكن ذلك لا يمنع من طرح السؤال الذي يراود شريحة واسعة من اللبنانيين اليوم.
هل يعود لبنان إلى طاولة المقايضات؟
لا يخشى اللبنانيون من المفاوضات الأميركية – الإيرانية بحد ذاتها، بقدر ما يخشون أن تتحول بلادهم مرة أخرى إلى بند صغير ضمن ترتيبات إقليمية أكبر منهم، فكلما تقدمت المفاوضات وازدادت الضبابية حول ملفات النفوذ الإقليمي، عاد السؤال اللبناني القديم إلى الواجهة: هل تبحث القوى الكبرى عن حلول تضمن استقرار الدول، أم عن تفاهمات تضمن مصالحها أولًا؟
وبين بياريتز وإيفيان، وبين ظريف الذي وصل ضيفًا إلى قمة مجموعة السبع قبل سنوات والمفاوضات التي انطلقت اليوم في سويسرا، يبقى السؤال اللبناني حاضرًا بقوة.
فهل سيكون لبنان هذه المرة شريكًا في رسم مستقبله، أم سيكتشف مجددًا أن مصيره يُناقش على موائد الآخرين قبل أن يُناقش على موائده؟