"العملاق" يفتتح مهرجان البحر الأحمر، من حلبة الملاكمة إلى شاشات جدة
جدة - افتتح مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي دورته الخامسة بفيلم العملاق (Giant) للمخرج البريطاني الهندي روان أثالي وبطولة الممثل المصري أمير المصري، الذي يجسّد القصة الملهمة لبطل الملاكمة البريطاني من أصل يمني نسيم حميد. ويقول فيصل بالطيور، الرئيس التنفيذي لمؤسسة البحر الأحمر السينمائية، إن اختيار هذا الفيلم للافتتاح "هو احتفاء بالمواهب العربية والإقليمية التي أثبتت حضورها على الساحة العالمية عبر قصص إنسانية ملهمة"، مؤكداً أن المهرجان يسعى لأن يكون "منصة لقاء بين الشرق والغرب، وبين الحلم والإنتاج".
وفي مشهد يعكس الحراك الثقافي غير المسبوق الذي تعيشه المملكة العربية السعودية، كشف مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي في جدة عن برنامج دورته الخامسة، التي ستقام خلال الفترة من 4 إلى 13 ديسمبر/كانون الأول المقبل، بمشاركة 110 أفلام من نحو 70 دولة، من بينها 35 فيلماً سعودياً تمثل الطيف الجديد لصناعة السينما المحلية الصاعدة.
ويحمل المهرجان هذا العام شعار "في حب السينما"، وهو عنوان يختصر التحول العميق في النظرة الرسمية والمجتمعية للفن السابع في السعودية، حيث تحولت السينما من مرحلة الغياب التام إلى أن تصبح رافداً محورياً في مشروع التحول الثقافي ضمن رؤية 2030 التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فالرؤية جعلت من الثقافة والإبداع والسينما أدوات فاعلة في صياغة هوية وطنية منفتحة، تعيد تعريف السعودية كقوة ثقافية ناعمة في المنطقة والعالم.
برمجة دولية ورهان على المواهب المحلية
ويتضمن برنامج الدورة الخامسة 60 فيلماً طويلاً و50 فيلماً قصيراً من مختلف القارات، تعكس التنوع في الموضوعات والأساليب والرؤى السينمائية، إلى جانب 20 جلسة حوارية تجمع نخبة من نجوم وصناع السينما العالمية.
وفي قلب المسابقة الرسمية، يتنافس 16 فيلماً، من أبرزها فيلم "هجرة" للمخرجة السعودية شهد أمين، الذي يمثل المملكة في سباق جوائز الأوسكار لأفضل فيلم دولي، في خطوة رمزية تعبّر عن المكانة المتنامية لصناعة السينما المحلية.
سوق البحر الأحمر: منصة للإنتاج والتمويل والتعاون الدولي
ولا يقتصر دور المهرجان على العرض والاحتفاء، بل يمتد إلى دعم الإنتاج عبر "سوق البحر الأحمر"، التي أصبحت واحدة من أبرز المنصات الإقليمية لتمويل المشاريع السينمائية. وتتيح السوق هذا العام فرصاً تمويلية وفنية أمام 40 مشروعاً سينمائياً وتلفزيونياً، إلى جانب مشاركة شركات إنتاج عالمية ومنصات رقمية وشبكات تلفزيونية تسعى لبناء شراكات جديدة مع صنّاع السينما في المملكة والمنطقة.
وهذه المبادرات ليست معزولة، بل تأتي ضمن منظومة متكاملة من المؤسسات والبرامج التي أطلقتها السعودية خلال السنوات الأخيرة، مثل مؤسسة البحر الأحمر السينمائية وهيئة الأفلام التابعة لوزارة الثقافة، التي تعمل على تطوير بنية تحتية متكاملة للإنتاج، من التدريب والتعليم إلى التمويل والتوزيع والعرض.
من الحظر إلى الريادة الإقليمية
وقبل أقل من عقد، لم تكن دور السينما موجودة في المملكة، وكان الإنتاج المحلي يقتصر على محاولات فردية محدودة. أما اليوم، فقد أصبحت السعودية أكبر سوق سينمائي في الشرق الأوسط من حيث الإيرادات، مع أكثر من 600 شاشة عرض وارتفاع ملحوظ في عدد الأفلام السعودية التي تُعرض في المهرجانات الدولية، من "سيدة البحر" إلى "المرشحة المثالية" و"الهامور ح.ع"، ما يعكس تحوّلاً ثقافياً واجتماعياً واسعاً.
ولقد استطاعت رؤية 2030 تحويل السينما إلى أداة للتعبير الوطني والانفتاح الثقافي، وجعلتها جزءاً من مشروع التنوّع الاقتصادي الذي يربط بين الثقافة والسياحة والترفيه، فمدينة جدة، حيث يقام المهرجان، أصبحت رمزاً لهذا التحول، إذ تجمع بين التاريخ والتراث والانفتاح على العالم عبر مبادرات ثقافية ضخمة مثل المهرجان السينمائي، و"جدة آرت" و"موسم البحر الأحمر".
السينما كجسر إنساني وثقافي
ويحمل مهرجان البحر الأحمر رسالة تتجاوز الاحتفاء بالفن إلى بناء جسور تواصل بين الثقافات، وتعزيز صورة السعودية كدولة حديثة تستثمر في القوة الناعمة بقدر استثمارها في الاقتصاد والتكنولوجيا. فاختيار المهرجان لشعار "في حب السينما" ليس مجرد عنوان فني، بل إعلان عن مرحلة جديدة يرى فيها السعوديون في السينما لغة عالمية للتعبير، ووسيلة للحوار مع الآخر، وأداة لبناء سردية وطنية معاصرة.
ولا تمثل الدورة الخامسة من مهرجان البحر الأحمر حدثاً فنياً فحسب، بل تتويجاً لمسار من الإصلاح والانفتاح الثقافي الذي أعاد تعريف علاقة الدولة بالمجتمع والفن. إنها شهادة على أن السعودية الجديدة لا تكتفي بملاحقة التطور، بل تصنعه بخطى واثقة، وتجعل من السينما نافذة مشرقة على المستقبل.