القوى الغربية لا تتخلى عن المحاذير في تواصلها مع القيادة السورية
دمشق - أجرت عدة بعثات دبلوماسية إلى دمشق لقاءات مع السلطات الجديدة التي تهيمن عليها هيئة تحرير الشام الإسلامية التي تسعى بدورها إلى طمأنة العواصم الأجنبية بشأن قدرتها على تهدئة الأوضاع في سوريا بعد نزاع مدمر استمرّ أكثر من 13 عاما.
ورفعت فرنسا علمها فوق سفارتها في دمشق اليوم الثلاثاء للمرة الأولى منذ 12 عاما، فيما استعد مسؤولون من الاتحاد الأوروبي للتواصل مع القيادة السورية الجديدة، في إشارة إلى الاتصالات المتزايدة بعد الإطاحة بالرئيس بشار الأسد.
وتفتح الدول الغربية تدريجيا قنوات للتواصل مع السلطات الجديدة في دمشق بقيادة هيئة تحرير الشام وزعيمها أحمد الشرع، لكنها ما زالت تصنف الجماعة منظمة إرهابية.
وبالإضافة إلى فرنسا وبريطانيا اللتين أرسلتا فريقا للقاء الشرع الاثنين، تعتزم ألمانيا أيضا عقد اجتماعات مع الإدارة الجديدة، وقال الاتحاد الأوروبي اليوم الثلاثاء إنه سيقيم اتصالات أيضا.
وبعد تسعة أيام من الإطاحة بالأسد، قال رئيس الحكومة السورية المؤقتة محمد البشير إن الحكومة تعاني من احتياطيات منخفضة جدا من العملة، ودعا إلى رفع العقوبات التي فُرضت على نظام الأسد.
وكانت الجماعة التي يقودها الشرع جزءا من تنظيم القاعدة حتى قطعت علاقاتها بالتنظيم في عام 2016. وظل وجودها مقتصرا على شمال غرب سوريا لسنوات حتى هذا الشهر حين اختفت قوات الجيش أمام اجتياح الجماعة لدمشق.
وقالت باريس إن رفع العلم لا يعني تلقائيا أنها ستعيد فتح سفارتها، فيما أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية أن فريق الدبلوماسيين الفرنسيين الذي زار دمشق اليوم الثلاثاء طلب من السلطات الانتقالية الجديدة "مواصلة محاربة تنظيم الدولة الاسلامية والجماعات الإرهابية الأخرى".
وأضافت الوزارة أن فرنسا ذكرت أنها "ستحرص على ضمان مصالح الأمن الجماعي والتي تمر عبر مواصلة محاربة تنظيم الدولة الاسلامية والجماعات الإرهابية الأخرى، ومنع نشر الأسلحة الكيميائية التي امتلكها النظام السوري" كما أكد دبلوماسيون فرنسيون أن "باريس ستحدد التزاماتها في سوريا في ضوء هذه المعايير".
وقالت الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا" إن الشرع قائد الإدارة الجديدة لسوريا دعا في اجتماعه مع المسؤولين البريطانيين الدول إلى استعادة العلاقات ورفع العقوبات عن سوريا لمساعدة اللاجئين على العودة إلى ديارهم.
ونشرت الوكالة صورا للشرع وهو يرتدي بدلة وقميصا مفتوحا خلال اللقاء مع البريطانيين. وذكرت سانا في تقرير أنه "شدد على ضرورة بناء دولة القانون والمؤسسات وإرساء الأمن، كما تحدث عن دور بريطانيا الهام دوليا وضرورة عودة العلاقات".
وقد يفتح سقوط الأسد الذي وجه ضربة قوية لحلفاء سوريا منذ فترة طويلة روسيا وإيران، الطريق أمام الدول الغربية لاستعادة الاتصالات مع دمشق. لكن هذا يتطلب حاليا على الأقل التحايل على تصنيف هيئة تحرير الشام منظمة إرهابية حينما كانت تابعة لتنظيم القاعدة وكذلك العقوبات المالية المفروضة على دمشق في عهد الأسد.
وقالت وزارة الخارجية الألمانية إن دبلوماسيين ألمان يعتزمون أيضا إجراء محادثات مع ممثلين عن هيئة تحرير الشام في دمشق اليوم الثلاثاء وقال متحدث باسم الوزارة إن المباحثات ستركز على العملية الانتقالية في سوريا وحماية الأقليات.
وأضاف في بيان "يتم أيضا استكشاف إمكانية وجود دبلوماسي في دمشق"، وأكد على أن برلين تراقب هيئة تحرير الشام عن كثب في ضوء جذورها في أيدلوجية القاعدة، متابعا "يمكننا القول إنهم يتصرفون بحكمة حتى الآن".
ورفضت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني اليوم الثلاثاء الانتقادات الموجهة لقرارها بتعيين سفير في دمشق قبل الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، وقالت إنها مستعدة للتحدث مع حكام البلاد الجدد.
وقالت ميلوني إن إيطاليا، التي أعلنت عن هذه الخطوة في يوليو/تموز، هي البلد الوحيد ضمن مجموعة السبع الكبرى التي أعادت فتح سفارتها في دمشق منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا قبل حوالي 13 عاما.
ونددت المعارضة بالقرار الذي اتخذته ميلوني، منتقدة ما اعتبرته محاولة لإعادة العلاقات مع الرئيس السوري في ذلك الوقت. وقال جوزيبي بروفينزانو، وهو نائب من الحزب الديمقراطي المعارض من تيار يسار الوسط، لميلوني خلال مناقشة في البرلمان إن الحكومة "عملت لأشهر لتطبيع العلاقات مع الأسد".
وقالت ميلوني أمام مجلس النواب إن إعادة فتح السفارة في دمشق لم يصل إلى حد الاعتراف بنظام الأسد، مضيفة "لم يقدم سفيرنا أوراق اعتماده للأسد... إيطاليا لها دور في استقرار بعض الدول والمناطق المعرضة للخطر".
وأشارت أيضا إلى أن إيطاليا مستعدة للتحدث مع الحكام الجدد في سوريا، الذين أطلقوا إشارات أولى مشجعة، مضيفة أن الحذر لا يزال مطلوبا.
وقالت "يجب أن تكون الأقوال متبوعة بأفعال، وبناء على الأفعال سنقيّم السلطات السورية الجديدة. وسيكون العنصر الحاسم هو الموقف تجاه الأقليات العرقية والدينية، أفكر بشكل خاص في المسيحيين".
"يجب أن تكون الأقوال متبوعة بأفعال، وبناء على الأفعال سنقيّم السلطات السورية الجديدة".
وقالت مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس الاثنين إن الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون مستعدا لتخفيف العقوبات على سوريا إذا اتخذت القيادة الجديدة في البلاد "خطوات إيجابية" لتشكيل حكومة شمولية واحترام حقوق المرأة والأقليات.
وقال توم فليتشر منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية إنه التقى أيضا بالشرع، وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي "لدينا أساس لزيادة طموح للدعم الإنساني الحيوي" لسوريا.
ودفع الصراع السوري الذي اندلع في أعقاب انتفاضة عام 2011 ضد حكم الأسد القمعي، ملايين السوريين إلى النزوح إلى الخارج كلاجئين، من بينهم نحو مليون شخص ذهبوا إلى ألمانيا.
وقال المبعوث الفرنسي الخاص إلى سوريا جان فرنسوا غييوم إن "فرنسا تستعدّ لتكون إلى جانب السوريين" خلال المرحلة الانتقالية. وبعدما أعلن الاتحاد الأوروبي إرسال ممثل عنه، قالت كايا كالاس إنّ التكتل "مستعدّ" لإعادة فتح سفارته في دمشق.
واستُقبل سقوط الأسد بمشاهد الاحتفالات والفرح في مختلف أنحاء سوريا وبين السوريين في الخارج، بعد أكثر من 13 عاما على اندلاع نزاع دامٍ في البلاد في أعقاب القمع الوحشي الذي مارسه ضد الاحتجاجات التي بدات في العام 2011.
وخلّف هذا النزاع نصف مليون قتيل، كما تسبّب في مغادرة حوالي ستة ملايين سوري إلى الخارج، وفق التقديرات. وقالت الأمم المتحدة إنّها تتوقع عودة مليون سوري إلى بلادهم في النصف الأول من العام 2025.
ومع ذلك، يمثّل توحيد البلاد التي مزّقتها سنوات من الحرب تحديا كبيرا، في ظل وجود العديد من الفصائل ذات الولاءات المختلفة وأقليات دينية وعرقية.
وفي أسواق دمشق القديمة، أعاد معظم التجار فتح محالهم واستكمل أصحاب محال سوق الحميدية صباح اليوم الثلاثاء طلاء واجهات محلاتهم باللون الأبيض بدلا من ألوان العلم السوري ذي النجمتين الخضراوين الذي كان معتمدا خلال فترة الحكم السابق.
وقال عمر بشور (61 عاما) وهو عامل بناء "نعمل منذ أسبوع دون توقف على طلاء الواجهات باللون الأبيض، ولا يوجد عدد كافٍ من العمال لاستكمال طلاء جميع المحال".
وعلى المستوى الاقتصادي، ارتفعت أسعار بعض المواد، بينما انخفضت أسعار معظم المواد الغذائية والضروريات الأساسية في ظلّ رفع الضرائب بشكل مؤقت.
وقال أبوعماد الذي حوّل سيارته الصغيرة إلى دكان لبيع الخضار في ساحة السبع بحرات في وسط دمشق "الخير جاء دفعة واحدة، سقط النظام وانخفضت الأسعار وتحسّنت الحياة ونتمنى ألا يكون ذلك مؤقتا وأن يستمر على طول".
وبعد اللقاء الذي عقده مع الجولاني الإثنين، أشار مسؤول المساعدات الإنسانية في الأمم المتحدة توم فليتشر عبر منصة "إكس" الثلاثاء، إلى إمكانية تزويد سوريا بالمزيد من المساعدات.
وقال "لدي شعور مشجّع بعد اجتماعاتي في دمشق، بما في ذلك مناقشات بنّاءة مع قائد الإدارة الجديدة أحمد الشرع. لدينا أساس لزيادة الدعم الإنساني الضروري إلى المستوى الذي نطمح به".
ورغم أنّ بشار الأسد قدّم نفسه على أنه حامي الأقليات في البلاد ذات الغالبية السنية، إلا أنّ العديد من الدول والمنظمات التي رحّبت بسقوطه، تترقب بقلق كيف ستتعامل السلطات الجديدة مع هذه الأقليات.
وقال أحمد الشرع الاثنين خلال لقائه أعضاء من الأقلية الدرزية التي تقدّر بنسبة 3 في المئة من السكان، إنّ "سوريا يجب أن تبقى موحّدة، وأن يكون بين الدولة وجميع الطوائف عقد اجتماعي لضمان العدالة الاجتماعية".
وخلال لقائه دبلوماسيين بريطانيين في دمشق، أشار إلى "ضرورة عودة العلاقات"، مؤكدا في الوقت ذاته على "أهمية إنهاء كافة العقوبات المفروضة على سوريا حتى يعود النازحون السوريون في دول العالم إلى بلادهم".
ودافع رياض الأسد وهو أحد زعماء المعارضة، في مقابلة مع وكالة فرانس برس، عن فكرة أن تكون لسوريا "علاقات جيدة مع كلّ دول العالم" وطالب العقيد السابق في الجيش السوري ومؤسس الجيش السوري الحر الذي يضم جنودا منشقين، بأن يحاسَب أعضاء الحكومة المخلوعة على الجرائم التي ارتكبوها، متابعا "هدفنا هو المغفرة والمصالحة، ولكن يجب أن تكون هناك عدالة انتقالية، حتى لا تكون هناك أعمال انتقامية".