'القيصر' مسلسل سوري يفتح ملفات الذاكرة المؤلمة
دمشق - تشهد الدراما السورية في موسم رمضان 2026 فورة إنتاجية لافتة تعكس مرحلة جديدة من الجرأة الفنية والانفتاح على ملفات حساسة طالما بقيت خارج الشاشة. وسط هذا الزخم، يبرز مسلسل "القيصر - لا مكان لا زمان" كأحد أكثر الأعمال إثارة للاهتمام، لما يحمله من طرح إنساني وسياسي يعالج قضية المعتقلين السوريين وتجاربهم القاسية في عهد النظام السابق، مستندا إلى شهادات حقيقية ووقائع موثقة.
ويسعى العمل إلى تحويل الذاكرة المؤلمة إلى مادة فنية تفتح باب النقاش حول العدالة والإنسانية، وتعيد تسليط الضوء على قصص ظلّت حبيسة الصمت لسنوات. ويتكوّن المسلسل من ثلاثين حلقة موزعة على عشر ثلاثيات مستقلة، تروي كل واحدة منها قصة مختلفة مستوحاة من شهادات معتقلين سابقين. ويمنح هذا البناء السردي العمل تنوعا في الإيقاع والموضوع، ويتيح الغوص في تفاصيل إنسانية شديدة الحساسية.
ويستعرض العمل من خلال الحكايات المعاناة، ويكشف أيضا عن شبكات النفوذ التي حكمت مفاصل الدولة، في محاولة لفهم السياق السياسي والاجتماعي الذي أنتج تلك المآسي. ومن خلال هذا التكوين، يتحول المسلسل إلى شهادة درامية تسعى لإعادة الاعتبار لأصوات طالما أُسكتت، وإلى تقديم صورة مركبة عن الألم الإنساني بعيدًا عن التبسيط أو الاستعراض.
ويوضح المخرج صفوان مصطفى نعمو أن العمل خضع لتحضيرات دقيقة تجمع بين التوثيق الفني والمعالجة البصرية الحديثة، ويقول إن النصوص لم تُنقل حرفيا من الشهادات، بل أُعيدت صياغتها دراميا لضمان وصولها إلى الجمهور بصورة مؤثرة وصادقة.
ويضيف، "هدفنا أن يكون العمل شهادة فنية وإنسانية تحترم ذاكرة الضحايا. لا نريد إثارة عاطفية عابرة، بل سردًا صادقًا يواجه الحقيقة ويمنح الشخصيات كرامتها". ويرى نعمو أن الدراما يمكن أن تكون مساحة للتفكير الجماعي، لا مجرد وسيلة ترفيه.
وتجمع بطولة العمل نخبة من أبرز الممثلين السوريين، من بينهم غسان مسعود، سلوم حداد، فايز قزق، صباح الجزائري، سامر إسماعيل، دانا مارديني، نانسي خوري، ومهيار خضور، إلى جانب وجوه أخرى. ويعكس هذا الحضور المكثف عودة عدد من الفنانين الذين ابتعدوا عن المشهد خلال سنوات التوتر السياسي، ما يمنح العمل بعدًا رمزيًا يتجاوز حدود الشاشة إلى المصالحة مع الذاكرة الفنية.
ويجسد الفنان سلوم حداد شخصية ضابط رفيع متهم بارتكاب انتهاكات جسيمة، وهي شخصية تتطلب توازنًا دقيقًا بين الأداء الفني والوعي الأخلاقي. ويقول حداد "لا أتعامل مع الشخصية كدور مكتوب فقط، بل كحقيقة عاشها السوريون. نحن لا نصنع ترفًا دراميًا، بل نحاكي واقعًا ترك ندوبًا عميقة. مسؤوليتنا أن ننقل الألم بصدق دون استغلال". ويرى أن قوة العمل تكمن في قدرته على طرح الأسئلة بدل تقديم إجابات جاهزة.
وتؤدي الفنانة صباح الجزائري دور أم لمعتقل سياسي تقضي سنوات طويلة في انتظار خبر عن ابنها. الشخصية تجسد معاناة آلاف الأمهات اللواتي عشن بين الأمل والخوف.
وتقول الجزائري "هذا الدور مواجهة مع ذاكرة جماعية مثقلة بالفقد. حاولت أن أقدم وجع الأمهات كما هو، بلا مبالغة، لأن الحقيقة وحدها كافية لتكون مؤثرة". وتؤكد أن العمل يعيد الاعتبار لصوت النساء اللواتي بقين في الظل رغم أنهن دفعن ثمنًا إنسانيًا باهظًا.
من جهته، يشير الفنان غسان مسعود إلى أن العمل يمثل تجربة فنية مختلفة في مسيرته، قائلا "الدراما هنا ليست مجرد حكاية، بل مساحة لمساءلة التاريخ. ما يهمني هو أن يشعر المشاهد بأن ما يراه جزء من ذاكرة حقيقية لا يمكن تجاهلها".
ويضيف الفنان سامر إسماعيل أن طبيعة العمل فرضت على الممثلين جهدًا نفسيًا كبيرًا، قائلا "التعامل مع قصص مستوحاة من الواقع يضعك أمام مسؤولية إنسانية. كنا حريصين على احترام التجارب التي نرويها، لأن وراء كل مشهد حياة كاملة".
ويمنح حضور الفنانة أصالة نصري بعدًا وجدانيًا خاصًا إلى العمل، إذ تؤدي شارة المسلسل في خطوة تحمل دلالات رمزية قوية، الأغنية التي كتب كلماتها ولحنها حسان زيود ووزعها ناصر الأسعد، تأتي بطابع إنساني يعكس الألم والأمل معا.
وتقول أصالة "هذه الشارة ليست مجرد غناء، بل رسالة وفاء لكل من عانى. أردت أن يكون صوتي مساحة عزاء وأمل في آن واحد". وتضيف مشاركتها بعدا عاطفيا يوازي ثقل الموضوع.
منذ عرض البرومو الترويجي، أثار المسلسل موجة واسعة من النقاش على منصات التواصل الاجتماعي بسبب حساسية موضوعه وجرأة طرحه. ويُتوقع أن يواصل إثارة الجدل خلال عرضه في رمضان، خصوصًا مع توزيعه على قنوات عربية عدة ودعمه إنتاجيًا، ما يوسع دائرة تأثيره الجماهيري. هذا التفاعل المبكر يعكس تعطش الجمهور لأعمال تلامس الواقع وتناقش قضايا مسكوتًا عنها.
ويأتي "القيصر - لا مكان لا زمان" ضمن موجة أوسع في الدراما السورية تتجه نحو معالجة ملفات سياسية واجتماعية معقدة. السؤال المطروح هو مدى قدرة الدراما على تحقيق توازن بين البعد الفني والرسالة السياسية. المسلسل يحاول الإجابة من خلال التركيز على البعد الإنساني، بحيث تصبح السياسة خلفية لفهم التجربة البشرية، لا هدفًا بحد ذاته.
ويمكن النظر إلى العمل كمشروع فني يحمل ملامح وطنية وإنسانية واضحة. هو محاولة لتوثيق مرحلة شديدة الحساسية من التاريخ السوري عبر لغة الدراما، وإعادة الاعتبار لقصص المعتقلين وأسرهم. بفضل قوة النصوص، وأداء الممثلين، وحضور أصالة الصوتي، يراهن "القيصر" على تقديم تجربة درامية مختلفة قد تشكل علامة فارقة في مسار الدراما السورية، وتفتح الباب أمام أعمال أخرى تجرؤ على مواجهة الذاكرة بدل الهروب منها.