اتفاق ليبي على خارطة طريق للانتخابات وفق مرجعية 'بوزنيقة'
طرابلس - اتفق رؤساء المجالس الليبية الثلاثة، النواب والدولة والرئاسي، على خارطة طريق تنص على إجراء انتخابات متزامنة قبل فبراير/شباط 2027، وتشكيل لجنة عليا للإشراف عليها. وبينما أنعش هذا الاتفاق الآمال بإخراج البلاد من دوامة المراحل الانتقالية المتعاقبة، أبدى متابعون للشأن الليبي تشكيكا في قدرة الأطراف المتنازعة على الوفاء بهذا الالتزام.
وأصدر رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي في أعقاب اجتماع اليوم الخميس بيانا تضمن جملة من التفاهمات المتعلقة باستكمال الإطار الدستوري والقانوني لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وتوحيد المؤسسات السيادية وتعزيز السيادة الوطنية.
كما تتضمن الخارطة إقرار إصلاحات اقتصادية ومالية تكفل حماية المال العام وصون وحدة مؤسسات الدولة بما يمهد لإنجاز الاستحقاق الوطني وإنهاء المراحل الانتقالية.
وأضاف البيان أن الرؤساء الثلاثة يتمسكون بمرجعية الإعلان الدستوري (مؤقت أُقر بالعام 2011) وتعديلاته والاتفاق السياسي الموقع في المغرب بالعام 2015 بين أطراف النزاع الليبي، وملاحقه والبيان الصادر عن الاجتماع الثلاثي الأول بمدينة القاهرة برعاية جامعة الدول العربية.
كما اتفق الفرقاء على "المضي قدما في وضعه موضع التنفيذ مع التعديلات اللازمة بموجب التطورات واستجابة للمبادرات الوطنية لضمان إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتزامنة".
ووفقا لخارطة الطريق "تجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن بتاريخ أقصاه 17 فبراير 2027 بموجب القوانين الانتخابية التي تنجزها لجنة (6+6)".
وتنص الوثيقة أيضا على إجراء الاستحقاق تحت إشراف لجنة سيادية عليا تتكون من رئيس المفوضية العليا للانتخابات وعضوان عن لجنة 5+5 العسكرية من المنطقة الشرقية والغربية، إضافة إلى ممثلين عن القطاع الأمني المكلف بتأمين المسار الانتخابي.
وتضم هذه اللجنة أعضاء من المؤسسة العسكرية في غرب ليبيا، و5 من طرف قائد قوات الشرق الليبي خليفة حفتر في الشرق، يجرون حواراً منذ أعوام لتوحيد المؤسسة العسكرية تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم لدى ليبيا.
إضافة إلى ذلك تتضمن خريطة الطريق "اعتماد اتفاق بوزنيقة حرفياً كمرجع لتسمية المناصب السيادية وإعادة توحيدها".
واتفاق بوزنيقة هو سلسلة من التفاهمات والحوارات السياسية التي استضافتها مدينة بوزنيقة المغربية بين وفدي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في ليبيا، وتهدف هذه المباحثات التي بدأت عام 2020، إلى حل الأزمة الليبية عبر التوافق على المناصب السيادية، وتوحيد السلطة التنفيذية، وإقرار القوانين الانتخابية.
وتعيش ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 على وقع انقسامات سياسية ومؤسساتية عميقة، أفرزت سلطات متنافسة في الشرق والغرب، فضلا عن تعدد مراكز النفوذ العسكرية والأمنية، ما حال دون بناء مؤسسات موحدة قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية وإنهاء حالة الانقسام.
ورغم رعاية الأمم المتحدة عدة جولات حوار بين الفرقاء الليبيين، بدءا من اتفاق الصخيرات عام 2015 وصولا إلى ملتقى الحوار السياسي وخارطة الطريق التي أفضت إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، فإن الخلافات بشأن القاعدة الدستورية وشروط الترشح وتقاسم السلطة والثروة ظلت العقبة الرئيسية أمام إجراء انتخابات شاملة.
وكان من المفترض أن تشهد ليبيا انتخابات رئاسية وبرلمانية في ديسمبر/كانون الأول 2021، غير أن خلافات حادة بين القوى السياسية حول أهلية المرشحين والصلاحيات الدستورية أدت إلى تأجيلها، لتدخل البلاد مجددا في حلقة جديدة من التجاذبات والانقسامات.
ومنذ ذلك الحين، تحولت مسألة تشكيل الحكومات وتوزيع المناصب إلى محور الصراع بين المؤسسات المختلفة، في وقت تراجعت فيه الأولوية الممنوحة للاستحقاق الانتخابي، وسط اتهامات متبادلة بين الأطراف بالسعي إلى إطالة أمد المرحلة الانتقالية والحفاظ على مكتسبات السلطة.
ويرى مراقبون أن أهمية التفاهم الأخير تكمن في كونه يجمع للمرة الأولى منذ فترة طويلة رؤساء المؤسسات السياسية الثلاث الرئيسية حول جدول زمني واضح، بما قد يسهم في تخفيف حدة الانقسام وإعادة إطلاق العملية السياسية برعاية داخلية.
كما أن تشكيل لجنة عليا للإشراف على تنفيذ خارطة الطريق قد يوفر إطارا مؤسسيا لمعالجة الخلافات الفنية والقانونية التي عرقلت الاستحقاقات السابقة.
وفي المقابل، لا يخفي متابعون للشأن الليبي مخاوفهم من أن يتحول الاتفاق الجديد إلى حلقة إضافية في مسلسل المبادرات غير المكتملة، خاصة أن التجارب السابقة أظهرت أن التوافقات السياسية غالبا ما تصطدم بحسابات النفوذ والصراع على الشرعية.
ويشير هؤلاء إلى أن نجاح أي مسار انتخابي يظل رهينا بتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، والتوصل إلى قاعدة دستورية تحظى بقبول واسع، فضلا عن توفير ضمانات محلية ودولية تلزم جميع الأطراف باحترام نتائج الانتخابات.
ولا تنفصل الأزمة الليبية عن التوازنات الإقليمية والدولية، إذ لا تزال عدة قوى خارجية تحتفظ بنفوذ سياسي أو عسكري أو اقتصادي داخل البلاد، ما يجعل أي تسوية دائمة مرتبطة أيضا بمدى توافق هذه الأطراف على دعم مسار موحد ينهي الانقسام.
كما أن استمرار الاستقرار النسبي في إنتاج النفط وتصديره وفر للفرقاء هامشا لتأجيل الحسم السياسي، الأمر الذي دفع بعض المحللين إلى الحديث عن "إدارة للأزمة" أكثر من السعي إلى حلها بشكل جذري.
ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت الإعلان عن خارطة الطريق، فإن نجاحها سيعتمد على قدرة القادة الليبيين على تجاوز الحسابات الضيقة وتقديم تنازلات متبادلة تضع حدا لأكثر من عقد من المراحل الانتقالية. وبين التفاؤل الحذر والتشكيك المستند إلى تجارب الماضي، يبقى السؤال المطروح: هل تشكل انتخابات 2027 بداية استعادة الدولة الليبية الموحدة، أم أنها ستكون موعدا جديدا يضاف إلى قائمة الاستحقاقات المؤجلة؟