المشاهد شريك في البحث عن الحقيقة في 'جناية الحب'
الكويت ـ يأتي مسلسل "جناية حب" كأحد الأعمال الدرامية المنتظرة في موسم رمضان 2026، مستنداً إلى رواية "السندباد الأعمى" للكاتبة الكويتية بثينة العيسى ليغوص في مناطق نفسية وفكرية معقدة، حيث تتحول حادثة بحرية غامضة إلى نقطة انفجار تكشف هشاشة العلاقات الإنسانية، وتعيد تعريف مفاهيم الذنب، والرغبة، والخيانة، والحقيقة.
المسلسل من بطولة روان مهدي، وصمود المؤمن، وبشار الشطي، وهيا عبد السلام، ومن إخراج سعيد الماروق، الذي يخوض هنا تجربة درامية مختلفة عن أعماله السابقة، معتمداً على لغة بصرية شاعرية، وإيقاع نفسي متوتر، ينسجم مع روح النص الأدبي الذي انطلق منه العمل.
وتنطلق أحداث "جناية حب" من حادثة بحرية غامضة تجمع أربعة أشخاص على متن قارب في رحلة تبدو في ظاهرها ترفيهية، لكنها سرعان ما تتحول إلى كابوس. حادث غير واضح المعالم يقع في عرض البحر، تتداخل فيه الصدفة مع الشبهة، ويترك وراءه أسئلة أكثر من الإجابات. من المسؤول؟ هل ما حدث كان قضاءً وقدراً، أم نتيجة قرار خاطئ؟ أم أن هناك من تعمّد إخفاء الحقيقة؟
وتروى هذه الحادثة بعد إعادة تفكيكها عبر الحلقات، من خلال وجهات نظر مختلفة، وذكريات متناقضة، ما يجعل المشاهد شريكاً في البحث عن الحقيقة، لا متلقياً سلبياً لها.
ويعتمد المسلسل على أربع شخصيات رئيسية، لكل واحدة منها علاقتها الخاصة بالحادثة، وبالآخرين.
وتقدم روان مهدي شخصية امرأة تبدو قوية ومستقلة، لكنها تحمل داخلياً شعوراً ثقيلاً بالذنب، تحاول إخفاءه خلف برودها الظاهري، حيث تمثل شخصيتها الصراع بين الرغبة في النجاة الفردية، والالتزام الأخلاقي تجاه الآخرين.
تقول روان مهدي عن دورها، "الشخصية التي أقدّمها لا تقول كل شيء، لكنها تعيش كل شيء في داخلها. الصمت هنا ليس ضعفاً، بل محاولة للبقاء. هذا العمل تحدٍّ حقيقي على مستوى الأداء النفسي".
وتجسد صمود المؤمن شخصية امرأة حساسة، تتعامل مع الحادثة بوصفها صدمة وجودية، هي الأكثر انكشافاً عاطفياً، والأكثر رغبة في مواجهة الحقيقة، حتى وإن كانت مؤلمة. وترى صمود أن المسلسل "لا يرحم شخصياته"، مضيفة "جناية حب يضع الجميع أمام مرآة قاسية لا أحد يخرج بريئاً تماماً".
ويقدّم بشار الشطي شخصية رجل يختار الإنكار كوسيلة للدفاع عن النفس، يبدو في البداية متماسكاً، لكنه يتفكك تدريجياً مع تصاعد الأحداث، خاصة حين تبدأ الشكوك في محاصرته.
وتظهر علاقة بشار بالشخصيات النسائية مشحونة بالتوتر، وتكشف عن اختلال في موازين القوة داخل العلاقات العاطفية.
أما هيا عبد السلام، فتقدّم شخصية تقف على الحد الفاصل بين الضحية والمتواطئة، امرأة تعرف أكثر مما تقول، وتستخدم الصمت أحياناً كسلاح. حضورها يضيف طبقة من الغموض، ويجعل مسار الأحداث أكثر تعقيدا.
ويمثل "جناية حب" تجربة خاصة في تحويل نص أدبي كثيف مثل "السندباد الأعمى" إلى عمل درامي. الرواية، المعروفة بلغتها التأملية وبنيتها غير الخطية، شكّلت تحدياً على مستوى السرد التلفزيوني. وقد حرص فريق العمل على الحفاظ على الروح الفلسفية للنص، دون الوقوع في الإطالة أو الخطاب المباشر.
ويشير المخرج سعيد الماروق إلى أن "التحدي الأكبر كان تحويل الأفكار الداخلية إلى صورة"، موضحاً، أن "الرواية تعتمد كثيراً على الوعي الداخلي للشخصيات. حاولنا ترجمة ذلك عبر الصورة والإيقاع، والموسيقى، وليس فقط عبر الحوار".
ويلعب البحر دوراً مركزياً في المسلسل، هنا شاهد صامت، يخفي أكثر مما يظهر، ويعكس حالة التيه واللايقين التي تعيشها الشخصيات. واستخدم المخرج لقطات واسعة، وإضاءة طبيعية، مع موسيقى هادئة لكنها مشحونة، لتعزيز هذا البعد الرمزي.
ويقول "البحر في جناية حب ليس خلفية جميلة، بل كيان حيّ. هو الذاكرة، وهو الخطر، وهو المكان الذي لا يمكن الهروب منه".
ويعتمد سيناريو المسلسل على تصاعد بطيء للتوتر، حيث لا تُكشف الأسرار دفعة واحدة، كل حلقة تضيف طبقة جديدة من الغموض، وتعيد ترتيب مواقف المشاهد من الشخصيات. هذا الأسلوب قد يبدو مرهقاً للبعض، لكنه يمنح العمل عمقاً واستمرارية، ويعكس طبيعة الذنب الذي لا يظهر فجأة، بل يتراكم بصمت.
لا يتعامل "جناية حب" مع الحب بوصفه خلاصاً، بل كقوة قد تقود إلى التدمير إذا اختلطت بالأنانية والكذب. العنوان نفسه يحمل مفارقة واضحة: كيف يمكن للحب أن يكون جناية؟ المسلسل يجيب عن هذا السؤال عبر شخصياته، التي تكتشف متأخرة أن بعض المشاعر، حين لا تُواجَه بصدق، تتحول إلى عبء أخلاقي ثقيل.
وأثار "جناية حب"، قبل عرضه، اهتماماً نقدياً لافتاً، خاصة لكونه مقتبساً عن عمل أدبي معروف، وترى الناقدة نجلاء الكندري أن المسلسل "يمثل نقلة في الدراما الرومانسية النفسية"، معتبرة أن "الجرأة الحقيقية ليست في الموضوع، بل في طريقة معالجته الهادئة".
في المقابل، يشير الناقد عبدالله العنزي إلى أن "نجاح العمل سيتوقف على قدرته في الحفاظ على التوازن بين العمق الأدبي ومتطلبات المشاهدة التلفزيونية"، مضيفاً أن "الاعتماد على الغموض سلاح ذو حدّين".

