المغرب وصناعة القرار.. الفعل الإستراتيجي لدفاع حقيقي عن فلسطين
انضم المغرب رسميا إلى مجلس السلام الذي دعا إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في خطوة أثارت جدلاً واسعًا بين من رأى فيها انخراطًا أعمى، ومن فهمها كتعبير عن دبلوماسية دقيقة وحسابات استراتيجية محسوبة.
الواقع أن المغرب لم يغيّر موقفه من فلسطين، ولم يساوم على القدس، وظل متمسكًا بحل الدولتين، لكن الاختلاف يكمن في طريقة الدفاع عن هذه الثوابت: من داخل دوائر التأثير وليس عبر الصراخ والشعارات الفارغة.
السياسة لا تُدار بالعواطف ولا بالهتافات، بل بميزان المصالح وثبات المواقف، وبقدرة الدول على تحويل المبادئ إلى أفعال ملموسة. المغرب، بخلاف أطراف أخرى تكتفي بالبيانات والخطب، اختار أن يكون فاعلًا ومؤثرًا من داخل مواقع القرار، لا مجرد صوت يضيع في الفراغ.
وفي نفس الوقت، يعكس الشارع المغربي نموذجًا متوازنًا في ممارسة الحرية، إذ يعبّر المواطنون عن نصرتهم لفلسطين دون قيود أو منع، في مشهد ديمقراطي يستند إلى الاحترام والمسؤولية. منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، تصدّر المغرب قائمة الدول التي خرجت في تظاهرات حاشدة نصرة لغزة، بعكس دول تمنع شعوبها من التعبير عن دعمها، لتتحول أصواتها إلى مجرد ضجيج استغلالي.
هذا التوازن بين الدولة التي تعمل ضمن منطق السياسة الواقعية والشارع الذي يرفع صوته بحرية، يخلق منظومة متكاملة تعكس قوة التأثير المغربي داخليًا وخارجيًا، ويؤكد أن الدفاع عن فلسطين ليس فقط سياسة رسمية، بل قضية يشارك فيها المجتمع بكل حريته.
الاتهامات بانحياز المغرب أو تخليه عن القضية الفلسطينية تكشف في الغالب عن عقدة العجز. المنتقدون لا يمتلكون تأثيرًا حقيقيًا، فيحوّلون الضجيج إلى سياسة والافتراء إلى موقف. بالمقابل، المملكة تعمل بصمت، بثبات، ووفق الممكن السياسي، مستثمرًة علاقاتها الاستراتيجية لخدمة الاستقرار الإقليمي والدفاع عن الحقوق الفلسطينية عبر قنوات عملية وواضحة، وليس عبر المزايدات.
هذه ليست مغامرة، بل استمرار لنهج دبلوماسي قائم على الواقعية والتوازن. المغرب يعرف متى يضغط، ومتى يناور، ومتى يتحدث، ومتى يشتغل، وهذا ما يزعج خصومه: أنه لا يصرخ، بل ينجز. وفي عالم تحكمه المصالح أكثر من النوايا، من لا يصنع موقعه يُقصى، ومن لا يحجز مقعده يُستبعد. المغرب حجز مقعده حيث تُصنع القرارات، دون أن يتخلى عن هويته أو ثوابته التاريخية.
السياسة الحقيقية تدار في غرف القرار، لا في الشوارع، ولا على منصات التواصل. والمغرب أثبت أن الفعل الاستراتيجي المستنير أصدق من أي شعارات، وأن الدفاع عن قضية عادلة يمكن أن يتم من موقع قوة وتأثير، لا من الفراغ والضجيج.