المغرب يفرض قواعد اللعبة على بروكسل: السيادة أولاً والصيد ثانياً
بروكسل - يعيش قطاع الصيد البحري في الاتحاد الأوروبي حالة من الترقب، عقب الضوء الأخضر الذي منحه سفراء دول التكتل للمفوضية الأوروبية لفتح مفاوضات رسمية مع الرباط. ما يترجم الحاجة الملحة لإبرام اتفاق جديد يعيد الأساطيل إلى المياه المغربية بعد شلل أدى إلى خسائر مالية فادحة وتسبب في فقدان الآلاف من مواطن الشغل.
ويدخل المغرب هذه الجولة الجديدة من المفاوضات متسلحاً برؤية استراتيجية تتجاوز المنطق التقليدي لـ"الموارد مقابل الدعم المالي"، حيث تفرض الرباط قواعد جديدة ترتكز على الندية، الوضوح والالتزام بالشراكة المتكافئة.
ولم يعد خافياً أن المملكة نجحت في تحويل طاولة المفاوضات إلى منصة لتأكيد ثوابتها الوطنية، وعلى رأسها مغربية الصحراء. ولن تكون المباحثات القادمة مجرد مساومات على "حصص وكميات الأسماك"، بل هي اختبار حقيقي لمدى قدرة الاتحاد الأوروبي على صياغة اعتراف جماعي وعملي بالسيادة المغربية الكاملة على كافة سواحل المملكة، ضمن إطار شراكة استراتيجية شاملة ومستدامة عابرة للقطاعات.
سواحل الصحراء المغربية: حجر الزاوية والعقيدة التفاوضية
ويشكل تمسك الرباط بإدراج سواحل أقاليمها الجنوبية في أي اتفاق مستقبلي جوهر "العقيدة التفاوضية" المغربية. هذا الموقف ليس تقنياً فحسب، بل هو تجسيد سياسي للسيادة الكاملة من طنجة إلى الكويرة. فالمغرب يرسخ واقعاً دولياً مفاده أنه المخاطب الوحيد والشرعي والسيادي على كافة أراضيه ومياهه.
وتزداد قوة هذا الموقف بالنظر إلى الأرقام التي تضمنتها التقارير الأوروبية؛ إذ أكدت أن أكثر من 90 بالمئة من عمليات الصيد الأوروبية كانت تتم في مياه الصحراء المغربية. هذه الحقيقة تعني أن أي اتفاق يستثني هذه الأقاليم هو "اتفاق ميت" اقتصادياً، ولا قيمة استراتيجية له بالنسبة للصيادين الأوروبيين.
ضغوط داخلية تضع بروكسل في "زاوية ضيقة"
وتجد المفوضية الأوروبية نفسها تحت ضغوط شديدة تمارسها دول وازنة مثل إسبانيا والبرتغال وفرنسا. فقد أدى توقف النشاط لأكثر من عام إلى خسائر اقتصادية فادحة لأرباب السفن وفقدان آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة في الموانئ الأوروبية.
وأثبتت التجربة أن البحث عن مصائد بديلة خارج المغرب هو خيار مكلف، غير مستدام، ويفتقر للجودة والكمية المطلوبة لتأمين الأمن الغذائي الأوروبي.
وفي هذا السياق، جاء ترحيب منظمة "يوروبِش" (Europêche)، الممثلة لصيادي الاتحاد الأوروبي، بقرار الشروع في المفاوضات ليؤكد أن التوصل إلى اتفاق مع الرباط بات "ضرورة وجودية". فالمنظمة ترى أن تراجع فرص الصيد البديلة وممارسات الصيد غير المستدامة في بلدان ثالثة، تجعل من المياه المغربية الملاذ الوحيد والآمن للأسطول الأوروبي.
"النظارة" المغربية لصدق الشراكات
وتأسيساً على الخطاب الملكي السامي، يظل ملف الصحراء هو "النظارة" التي يقيس بها المغرب صدق الشراكات ونجاعة التحالفات. وتصر الرباط على أن أي عوائد مالية للاتفاق يجب أن تستثمر مباشرة في تنمية الأقاليم الجنوبية، لتعزيز الدينامية التنموية التي تشهدها مدن كالداخلة والعيون.
ويضع الحزم المغربي تجاه أي محاولة للالتفاف على الواقع الميداني، مدعوماً بمواقف قوى عظمى اعترفت بمغربية الصحراء، الاتحاد الأوروبي أمام خيار واحد: شراكة تحترم الوحدة الترابية للمملكة، أو استمرار عطالة الأساطيل الأوروبية.