النظام الأوروبي الجديد للجوء يُفاقم معاناة المهاجرين
بروكسل - دخلت النسخة الجديدة من النظام الأوروبي المشترك للجوء حيز التنفيذ اليوم الجمعة، في أكبر إصلاح لقوانين اللجوء في الاتحاد الأوروبي منذ عقود، وهو تطور يضع المهاجرين وطالبي اللجوء أمام إجراءات أكثر تشددا وصرامة، وسط تصاعد الضغوط السياسية والشعبية المطالبة بتقييد تدفقات الهجرة وإحكام السيطرة على الحدود.
ويُعد القانون أكبر إصلاح لقوانين اللجوء منذ عقود، وسط مساع من بروكسل لإعادة صياغة قواعد التعامل مع المهاجرين وطالبي الحماية، بعد سنوات من الانقسامات التي أعقبت أزمة اللاجئين بين عامي 2015 و2016.
ويعكس الإصلاح الجديد توجها أوروبيا متزايدا نحو تشديد الرقابة على الحدود الخارجية، وتوحيد إجراءات معالجة طلبات اللجوء، إلى جانب توزيع الأعباء بين الدول الأعضاء بصورة أكثر توازنا، في محاولة للحد من الضغوط التي تحملتها دول المتوسط، خاصة اليونان وإيطاليا وإسبانيا.
وينظر هذا الإطار القانوني الشامل سياسات اللجوء في الدول الأعضاء في التكتل. وتصف المفوضية الأوروبية الحزمة التشريعية الجديدة بأنها "صارمة ولكن عادلة"، معتبرة أنها تمثل خطوة ضرورية لاستعادة السيطرة على ملف الهجرة الذي شكل أحد أكثر الملفات حساسية داخل القارة خلال العقد الأخير.
ويرى مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة، ماغنوس برونر، أن الإصلاحات الجديدة تهدف إلى إعادة بناء ثقة الأوروبيين في سياسات الهجرة القانونية التي تحتاجها أسواق العمل، بالتوازي مع الحد من مخاطر الهجرة غير النظامية ومكافحة شبكات تهريب البشر وتعزيز التعاون مع دول المنشأ والعبور.
ورغم أن الهجرة غير النظامية إلى أوروبا شهدت تراجعا خلال السنوات الأخيرة، إذ سجل الاتحاد الأوروبي نحو 178 ألف حالة عبور غير قانوني للحدود خلال عام 2025، وهو أدنى مستوى خلال خمسة أعوام، إلا أن بروكسل ترى أن الحاجة ما تزال قائمة لتشديد الإجراءات وتوحيد قواعد التعامل مع الوافدين.
ومن أبرز التغييرات التي يفرضها النظام الجديد توسيع نطاق الإجراءات التي تتم على الحدود الخارجية قبل السماح للمهاجرين بالدخول القانوني إلى أراضي الاتحاد الأوروبي.
وسيخضع جميع الوافدين لعملية تدقيق أولية تشمل تسجيل بصمات الأصابع، وتحديد بلد المنشأ، وفحص الحالة الصحية، فضلا عن تقييم المخاطر الأمنية المحتملة.
أما الأشخاص القادمون من دول تعتبر فرص مواطنيها في الحصول على اللجوء ضعيفة، أو الذين يشتبه في أنهم يشكلون خطرا أمنيا، فسيتم إخضاعهم لإجراءات سريعة على الحدود قد تنتهي بقرارات ترحيل، على أن لا تتجاوز مدة هذه الإجراءات ثلاثة أشهر.
وخلال تلك الفترة، سيعتبر هؤلاء قانونيا غير داخلين إلى أراضي الاتحاد الأوروبي، وسيبقون في مراكز مغلقة مخصصة لهذا الغرض، وهو ما أثار انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وإنسانية تخشى تحول هذه المراكز إلى أماكن احتجاز طويلة الأمد.
في المقابل، سيسمح للأشخاص الذين تزداد فرص حصولهم على الحماية الدولية بدخول أراضي الاتحاد الأوروبي ومتابعة إجراءات اللجوء العادية. كما سيبقى مبدأ "أول دولة وصول" قائما، بحيث تظل الدولة الأوروبية الأولى التي يدخل إليها طالب اللجوء مسؤولة عن معالجة طلبه، مع إمكانية فرض قيود على بعض المساعدات الاجتماعية بحق الأشخاص الذين يرفضون التعاون مع السلطات.
ويعد توزيع المسؤوليات بين الدول الأعضاء أحد أهم أهداف الإصلاحات الجديدة، بعدما اشتكت دول جنوب أوروبا لسنوات من تحملها النصيب الأكبر من استقبال اللاجئين وتسجيلهم.
وبموجب آلية التضامن الجديدة، ستحدد المفوضية الأوروبية الدول التي تحتاج إلى دعم إضافي، بينما سيكون بإمكان الدول الأخرى المساهمة عبر استقبال جزء من طالبي اللجوء، أو تقديم مساعدات مالية أو لوجستية.
لكن النظام الجديد لا يفرض على الدول الأعضاء استقبالا إلزاميا للاجئين، الأمر الذي يعكس استمرار الخلافات بين الحكومات الأوروبية بشأن ملف الهجرة.
وتتولى المفوضية الأوروبية مراقبة مدى التزام الدول الأعضاء بالقواعد الجديدة، مع إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية بحق الدول المخالفة، غير أن مدى قدرة بروكسل على فرض هذه الآليات يبقى محل اختبار، خصوصا مع استمرار اعتراض دول مثل بولندا والمجر على السياسة الجديدة.
ورغم أن ألمانيا لا تمتلك حدودا خارجية برية مع الاتحاد الأوروبي، فإنها تستعد لتطبيق جزء من الإصلاحات من خلال إنشاء "مراكز الهجرة الثانوية"، المخصصة لطالبي اللجوء الذين تتحمل دول أوروبية أخرى مسؤولية معالجة طلباتهم.
وتقع مسؤولية إنشاء هذه المراكز على عاتق الولايات الألمانية، لكن التقدم في هذا الملف لا يزال محدودا، إذ لم تضع سوى ولايتين خططا عملية حتى الآن.
وبحسب آلية التضامن الأوروبية، لن تكون ألمانيا مطالبة خلال العام الحالي باستقبال أعداد إضافية من اللاجئين، نظرا إلى أنها استقبلت خلال السنوات الماضية أعدادا تفوق ما استقبلته غالبية الدول الأوروبية الأخرى.
وتسير إصلاحات اللجوء بالتوازي مع مشروع أوروبي جديد لتسهيل وتسريع عمليات ترحيل المهاجرين الذين رفضت طلباتهم، بعدما وافقت دول الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي على مشروع لائحة جديدة بهذا الشأن.
ورغم أن هذه اللائحة لا تزال بحاجة إلى موافقة البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي، فإنها تعد جزءا من توجه أوروبي أشمل يهدف إلى تشديد سياسة الهجرة وتقليص فرص البقاء غير القانوني داخل أراضي الاتحاد.
وأثارت الإصلاحات الجديدة انتقادات منظمات الإغاثة والجمعيات الكنسية، التي حذرت من أن الإجراءات الجديدة قد تؤدي إلى توسيع نطاق الاحتجاز الفعلي لطالبي اللجوء، وإضعاف فرص حصولهم على حماية قانونية فعالة، خاصة في إطار الإجراءات السريعة على الحدود.
كما أعربت منظمات حقوقية عن مخاوف تتعلق بأوضاع العائلات والأطفال والقاصرين غير المصحوبين بذويهم، محذرة من تداعيات القيود الجديدة على حقوقهم الأساسية، بما في ذلك الحق في التعليم والرعاية.
في المقابل، تؤكد المفوضية الأوروبية أن الإصلاحات تهدف أيضا إلى توحيد ظروف استقبال طالبي اللجوء وتحسين معايير الحماية في مختلف دول الاتحاد الأوروبي.
ورغم دخول النظام الجديد حيز التنفيذ، فإن تطبيقه الكامل لا يزال يواجه تحديات كبيرة، بسبب عدم استكمال عدد من الدول مواءمة تشريعاتها الوطنية مع القواعد الجديدة، إضافة إلى نقص مراكز الاستقبال والبنية التحتية التقنية المطلوبة لتطبيق نظام التسجيل الموحد.
ويقول مفوض الشؤون الداخلية والهجرة ماغنوس برونر إن الحزمة الجديدة "ليست نهاية العملية بل بدايتها"، في إشارة إلى أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مدى نجاح الإصلاحات، وسط توقعات بأن تشهد المحاكم الأوروبية معارك قانونية حول عدد من القضايا الخلافية المرتبطة بالنظام الجديد.
وبينما ترى بروكسل أن الإصلاحات تمثل محاولة لإيجاد توازن بين حماية الحدود والحفاظ على حق اللجوء، يعتبر منتقدوها أنها تؤشر إلى مرحلة أكثر صعوبة بالنسبة للمهاجرين وطالبي الحماية، في ظل توجه أوروبي متصاعد نحو تشديد السياسات والهامش المتاح أمام الوافدين الجدد.